فإن السؤال يبقى بلا جواب عن أي رواية؟ ومن أي طريق يكون التواتر إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ فإن من الواضح أن القراءات السبع تختلف رواياتها وطرقها مما يغير المعنى كما يغير اللفظ مثلا: من موارد الاختلاف في القراءة كثيرة مع سلامة النص المكتوب ومنها «ملّك» و «ملك» ومنها «يطهرن» و «يطّهرن» ومنها «باعد» و «باعد» «ننشرها» «ننشزها» ومن
الاعراب «أرجلكم» و «أرجلكم» وقد يترتب الخلاف في التفسير والفقه ولا يمكننا أن نقف محتارين في هذه القراءات بل يجب الاختيار لإحدى الأقوال المفصلة في التفاسير.
قال سيدنا الأستاذ الخوئي دام ظله: «والمعروف عند الشيعة أنها غير متواترة بل القراءات بين ما هو اجتهاد من القارئ وبين ما هو منقول بخبر الواحد واختار هذا القول جماعة من المحققين من علماء أهل السنة. وهذا القول هو الصحيح» ولتحقيق هذه النتيجة لا بد لنا من ذكر أمرين:
الأول: قد اطبق المسلمون بجميع نحلهم ومذاهبهم على أن ثبوت القرآن بنحو طريقة التواتر واستدل كثير من علماء السنة والشيعة على ذلك بأن القرآن تتوفر الدواعي لنقله لأنه الأساس للدين الإسلامي والمعجز الإلهي عن نبي المسلمين وكل شيء يتوفر الدواعي لنقله لا بد وأن يكون متواترا إلى أن قال.
الثاني: إن الطريق الأفضل إلى إثبات عدم تواتر القراءات هي معرفة القراء أنفسهم وطرق رواتهم. [البيان 738] .
توضيح كلامه دام ظله أن التواتر عن السبعة يتوقف على تواتره في جميع الطبقات وهذا وإن كان حاصلا في عصرنا إلا أنه في الفترة بين عصرنا وعصرهم لا يعلم التواتر حيث أن لكل منهم راويان غالبا ولا يحصل بالاثنين التواتر بالإضافة إلى أنه لم تثبت وثاقة الرواة كلهم مع الاختلاف بين هذين الاثنين في كثير من الموارد.
(مع) أن الإسناد ينتهي إليهم وهم يختلفون في القراءة والزمان فلا يحصل بهم التواتر فلا بد وأن الوجه في قراءتهم إما إلى الخبر كما يظهر من بعضها الواحد أو إلى اجتهاد كما يظهر من البعض الآخر وإن هذا ليس من التواتر في شيء.
(والخلاصة) أن تواتر القراءات يتصور في مرحلتين:
وهذا لا يمكن إنكاره إذ أن في كل عصر ومصر طبقة بعد طبقة من القراء والحفاظ والمؤلفين من قرأ وحفظ وألف في قراءاته المسندة إليهم وأسانيد القراء وإن كانت آحاد ولكنها مجتمعة مع العناية المستمرة بها جيلا بعد جيل بأنواع الكتابة وغيرها مما تثبت تواترها عن القراء السبعة.
المرحلة الثانية: من عصر القراء إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم:
ان نظرة فاحصة إلى الأسانيد التي ذكرها مسبع السبعة ابن المجاهد (ت 324هـ) يكشف عن أنها لم تكن متواترة وهم وإن قرءوها على من سبقهم بالعرض فهي لم تكن سوى عرض للآحاد من القراء ولم يبين لنا أحد
منهم أسلوبه في انتخاب قراءته سوى نافع الذي صرح باعتماده على ما توافق عليه اثنان وترك ما اختلف.