واوضح أن السبب في هذا الاختيار اختلاف القراءات بقوله: «وأما الآثار التي رويت في الحروف فكالآثار التي رويت في الأحكام منها المجتمع عليه السائر المعروف. ومنها المتروك المكروه عند الناس المعيب من أخذ به، وإن كان قد روي وحفظ. ومنها ما توهم فيه من رواه، فضيع روايته ونسي سماعه لطول عهده، فإذا عرض على أهله عرفوا توهمه وردوه على من حمله. وربما سقطت روايته لذلك بإصراره على لزومه وتركه الانصراف عنه، ولعل كثيرا ممن ترك حديثه واتهم في روايته كانت هذه علته. وإنما ينتقد ذلك أهل العلم بالأخبار والحرام والحلال والأحكام. وليس انتقاد ذلك إلى من لا يعرف الحديث ولا يبصر الرواية والاختلاف. كذلك ما روي من الآثار في حروف القرآن، منها المعرب السائر الواضح، ومنها المعرب الواضح غير السائر، ومنها اللغة الشاذة القليلة، ومنها الضعيف المعنى في الإعراب غير أنه قد قرئ به، ومنها ما توهّم فيه فغلط به فهو لحن غير جائز عند من لا يبصر من العربية إلا اليسير، ومنها اللحن الخفيّ الذي لا يعرفه إلا العالم النحرير،
وبكل قد جاءت الآثار في القراءات. والقراءة التي عليها الناس بالمدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام هي القراءة التي تلقوها عن أوّليهم تلقّيا، وقام بها في كل مصر من الأمصار رجل ممن أخذ عن التابعين، أجمعت الخاصة والعامة على قراءته وسلكوا فيها طريقه، وتمسّكوا بمذهبه، على ما روى.
وبعد أن ذكر القراء السبع وتراجمهم وطرقهم قال: «فهؤلاء سبعة نفر من أهل الحجاز والعراق والشام، خلفوا في القراءة التابعين، وأجمعت على قراءتهم العوام من أهل كل مصر من هذه الأمصار التي سميت وغيرها من البلدان التي تقرب من هذه الامصار، إلا أن يستحسن رجل لنفسه حرفا شاذا، فيقرأ به، من الحروف التي رويت عن بعض الأوائل منفردة، فذلك غير داخل في قراءة العوام. ولا ينبغي لذي لب أن يتجاوز ما مضت عليه الأئمة والسلف بوجه يراه جائزا في العربية، أو مما قرأ به قارئ غير مجمع عليه. [السبعة 101] .
وقد ابتدأ بقراءة المدينة ثم مكة فالعراق (الكوفة والبصرة) والشام واغلب الظن أنه اختارها على الترتيب حيث أن المصاحف العثمانية أرسلت كذلك إلى هذه المدن. ولعل ابن مجاهد كان يرى وجود تلك المصاحف فيها سببا في شهرة القراءة في تلك المدن.
وكما سترى أن اختياره لهذه القراءات لم يكن على مستوى واحد ففيها ما قرأه نحو عشرين مرة كقراءة نافع خاصة وما لم يقرأه قط بل رواه رواية كقراءة عاصم.
التسلسل الاسم: القراءة: الإسناد إليه: مركز القراءة 1: نافع: قرأها عشرين مرة: وأسند إليه: المدينة: 2: عبد الله بن كثير: قرأها سنة 278هـ: وأسند إليه: مكة 3: عاصم: لم يقرأها بل رواها: وأسند إليه: الكوفة 4: حمزة: قرأها غير مرة: وأسند إليه: الكوفة 5: الكسائي: قرأها غير مرة: وأسند إليه: الكوفة 6: أبو العلاء: قرأها مرات: وأسند إليه: البصرة 7: ابن عامر: لم يقرأها: وأسند إليه: الشام