وعليه فمسيرة التطور في الخط العربي مكة المدينة البصرة الكوفة وهذا يساعد الاعتبار على ذلك حيث أن الإسلام انتشر بنفس المسيرة، فتطور الخط الذي هو من أسمى مراسم الحضارة، رافق الإسلام في مسيرته حتى استقر في شكله المتقدم نسبيا في الكوفة منذ صارت عاصمة للخلافة في خلافة الإمام علي عليه السّلام ومنها انتشر إلى سائر البلدان الإسلامية.
قال إبراهيم جمعة: «وعلى ذلك فالمرجح أنه كان للكوفة نوعان أساسيان من الخط، نوع يابس ثقيل صعب الإنجاز تأدت له الأغراض الجليلة، ونوع آخر لين تجري به اليد في سهولة، وهو الخط الذي انتهى إلى الكوفة من المدينة، ويقطع بليونة هذا الخط الأخير دليل من التاريخ استقيناه من كتاب الفهرست ودليل آخر مادي، هو بردية إهناسية المؤرخة 22هـ من ولاية عمرو بن العاص الأولى على مصر، فالخط الذي كتبت به هذه البردية هو «الخط المدني» الذي انتقل من المدينة إلى الكوفة بعد تأسيسها، ومنذ صارت عاصمة الخلافة، كما انتقل منها إلى مصر وغيرها من البلدان. [دراسة تطور الكتابات الكوفية ص 27] .
ومهما كانت الروايات لا يوجد للخط المسند أثر في المصاحف المنسوبة مع أن أثر الخط النبطي أو الأنبار ثابت وتشابه الخط الكوفي والنبطي واضح فالنص القرآني المكتوب في عصر الرسالة وعهد عثمان لا بد وأن يكون بالخط العربي المتطور من الخط النبطي الذي كان معمولا به في الشام ومع الأسف لا تملك المكتبة الإسلامية شيئا موثوقا به من المصاحف من عصر الرسالة سوى المصاحف المنسوبة بالخط الكوفي ويرجع أغلبها إلى القرن الثالث أو قبله بقليل والتي أشهرها المصحف الإمام في طاشقند.
وقد شاهد ابن جبير (ت 614هـ) الرحالة الأندلسي في رحلته عام 578هـ أحد هذه المصاحف في مكة قال: «وفي القبة العباسية خزانة تحتوي على تابوت مبسوط متسع، وفيه مصحف أحد الخلفاء الأربعة، أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وبخط يد زيد بن ثابت رضي الله عنه، منتسخ سنة ثمان عشرة من وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وينقص منه ورقات كثيرة. وهو بين دفتي عود مجلد بمغاليق من صفر، كبير الورقات واسعها، عايناه وتبركنا بتقبيله، ومسح الخدود فيه. نفع الله بالنية في ذلك. وأعلمنا صاحب القبة المتولي لعرضه علينا: أن أهل مكة متى أصابهم قحط، أو نالتهم شدة في أسعارهم، أخرجوا المصحف المذكور، وفتحوا باب البيت الكريم، ووضعوه في القبة المباركة مع المقام الكريم: مقام الخليل إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه. واجتمع الناس كاشفين رءوسهم، داعين متضرعين، وبالمصحف الكريم والمقام العظيم إلى الله متوسلين. فلا ينفصلون عن مقامهم ذلك إلا ورحمة الله عزّ وجلّ قد تداركتهم، والله لطيف بعباده، لا إله سواه. [رحلة ابن جبير ص 118117] .
وأهم ما وقعت عليه من المصاحف المنسوبة إلى الخليفة عثمان رضي الله عنه ما يأتي:
1 -المصحف المنسوب إلى الخليفة عثمان بن عفان المحفوظة في طاشقند والمطبوعة في 1905ميلادية في روسيا أولا ثم في 1401في فيلادلفيا.