فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 387

والمشهور لدى المؤرخين أن القرآن لم يجمع في عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وإنما جمع بعد وفاته صلّى الله عليه وآله وسلّم. وإن اختلفت في تحديد الزمن بالخلفاء الثلاثة، وبما أن عدم جمع القرآن في عصر الرسالة يعتبر نوعا من الإهمال الذي لا يمكن أن يصدر من الرسول الحكيم، حاول بعض العلماء تبرير ذلك، ففي فتح الباري: «قال الخطابي وغيره يحتمل أن يكون صلّى الله عليه وآله وسلّم إنما لم يجمع القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته صلّى الله عليه وآله وسلّم، ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وكان ابتداء ذلك على يد الصديق رضى الله عنه بمشورة عمر رضى الله عنه الخ [فتح الباري 9، 130] ولكن هذا التعليل مردود وذلك لأن النسخ ليس معناه حذف نص الآيات وإنما المراد إلغاء الحكم مع بقاء النص، لذلك نجد علماء المسلمين يبحثون في كثير من الآيات أنها ناسخة أو منسوخة والمفروض أنها لا تزال محفوظة في النص القرآني وكتب الناسخ والمنسوخ كثيرة جدا لدى مختلف الطوائف الإسلامية، وليس هناك أي ارتباط بين ترقب النسخ وكتابة القرآن. ولا يمكن أن يكون الخلفاء الراشدون أكثر غيرة على القرآن من الرسول الكريم نفسه. ومهما كان فالرأي المشهور أن زيد بن ثابت وحده أو مع لجنة خاصة تكفلت نقل القرآن الصوتي في المصحف من العسب (جريد النخل) والرقاع (الورق) واللخاف (الحجارة الرقيقة) والأقتاب (الخشب) وذلك باهتمام خاص من الخليفتين أبي بكر وعمر.

وهناك روايات وأقوال شاذة بإزاء هذا المشهور نذكر نموذجا منها، فقد روى البخاري أن من جمع القرآن على عهد رسول الله (أربعة من الأنصار: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. قال قتادة: من أبو زيد؟ قال أحد عمومتي) وأيضا روى أنه (مات النبي ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد) .

ومن الواضح أن الرواية في حصرها الجمع في خصوص الأنصار دون غيرهم من المهاجرين تريد حصر هذه الفضيلة بهم، ومن المستبعد جدا أن يهمل المهاجرون هذه المسئولية من جانبهم، ثم كيف ينحصر الاهتمام بالجمع بهذا العدد الضئيل مع العلم أن عدد المسلمين المهاجرين كان قبل هجرة الحبشة أكثر من الثمانين وقد ازداد بعد ذلك بكثير، لذلك يمكن توجيه هذه الرواية بما يأتي:

أولا: ما ذهب إليه المحدثون من أن المراد من الجمع هو خصوص الحفظ عن ظهر القلب.

ثانيا: أن مراد الراوي خصوص الجامعين من الأنصار، وليس يقصد الاستقصاء لكل من جمع القرآن.

ثالثا: أن الجمع إنما هو بمعنى الكتابة.

ومن الروايات الشاذة، في كيفية جمع الإمام علي عليه السّلام، فقد روى السجستاني أنه لما توفي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أقسم علي أن لا يرتدي الرداء إلا لجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف ففعل، فأرسل إليه أبو بكر بعد أيام كرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ قال: لا والله إلا أني أقسمت أن لا أرتدي الرداء إلا لجمعة فبايعه ثم رجع [المصاحف ص 10] وهذه الرواية بوضوح تريد أن تعلل أمر الخلافة سياسيا ولا تفيد أي تحليل لأسلوب الجمع أو كيفية الجمع.

فلا بد من دراسة دور كل من النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والخلفاء الثلاثة في جمع القرآن.

موقف الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم

لقد كان الرسول القائد صلّى الله عليه وآله وسلّم أحرص الناس على حفظ القرآن وسلامته وتبليغه إلى الناس كافة، كما يشير إليه قوله تعالى: {إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ} [الحجر: 9] ، وسيرته منذ البعثة حتى الوفاة، تدل على ذلك. فلم تحل مناسبة إلا واكد على تعلم القرآن وتعليمه لمن حضر من أصحابه، وتعهدهم على ذلك وقد بعث كثيرا منهم لتعليم القرآن

للناس وقد روى عبادة بن الصامت: «كان الرجل إذا هاجر دفعه الرسول إلى رجل منا يعلمه القرآن» والمراد من الهجرة هنا الهجرة إلى المدينة واعتناق الإسلام، وأصر صلّى الله عليه وآله وسلّم على أن يبلغ الشاهد الغائب عنهم ولو آية واحدة من القرآن قائلا: «بلغوا عني ولو آية من القرآن» ، وسيرته طافحة بهذا النوع من التأكيد، وقد زوج صلّى الله عليه وآله وسلّم سهيل بن سعد بما معه من القرآن [مسلم 9، 314] ، فهل يعقل أن يكون موقف النبي أقل حرصا من غيره؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت