أقول: «وهذه الأركان الثلاثة للقراءة الصحيحة لا بد وأن تخضع للاجتهاد في صحة هذه المقاييس فإن الركن الأول أعني موافقة اللغة العربية وإن كان ركنا أصيلا في الغالب إلا أنه يستلزم أن تكون القواعد العربية أصيلة مع كثرة الاختلاف فيها وهي بلا شك لم تكن أسبق من نص القرآن بل القواعد هذه مستقاة من النص القرآني والاستعمال ولا نص أوثق وأقدم من
القرآن فاخضاع النص القرآني للقواعد العربية فرض للقواعد المتأخرة زمنا على نص تقدم عليها مما لا يستساغ علميا.
أيضا يخضع لاجتهاد الرواة فما من راو من القراء قبل تحديدها بالسبعة إلا وكان يرى ما يقرأه رواية صحيحة وقد سبق قول عبد الله بن مسعود في تمسكه بقراءته معللا أنه سمعها من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
وأما الركن الثالث:
فإن رسم القرآن أي موافقته أحد المصاحف الستة من جمع عثمان على ما فيها من اختلاف قد يتحمل قراءة رفضت من جمهور القراء ووصفت بالقراءات الشاذة بالرغم من موافقة المصحف بقراءة «مليك» بدل «مالك» أو «ملك» على ما هو مفصل في الشواذ.
(والحق أن يقال) ان للقراءة الصحيحة ركن واحد هو النقل بالتواتر عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم.
ومن هنا نجد الطبري (ت 310هـ) يخطّئ بعض هذه القراءات السبعة فلو كانت متواترة لما صح هذا منه مثلا راجع تخطئة قراءة عاصم لقوله تعالى: {إِلََّا أَنْ تَكُونَ تِجََارَةً حََاضِرَةً} [البقرة: 282] وأنها قراءة شاذة [تفسير الطبري 6/ 8] فكيف التوفيق بين التواتر والشذوذ؟ فيظهر أن هذه القراءات لم تكن متواترة حتى القرن الرابع، القرن الذي حصرها ابن مجاهد (ت 324هـ) بالسبعة فكيف بما قبلها؟! وقال ابن الجزري (ت 833هـ) : ونعني بموافقة أحد المصاحف ما كان ثابتا في بعضها دون بعض كقراءة ابن عامر: {قََالُوا اتَّخَذَ اللََّهُ وَلَدًا} في البقرة بغير واو «وبالزبر وبالكتاب المنير» بزيادة الباء وعدة أمثلة أخرى. [النشر 1/ 11] .
وأوضح قوله: (احتمالا) : يعني به ما يوافق الرسم ولو تقديرا وهو الموافقة احتمالا وقد خولف صريح الرسم في مواضع اجماعا نحو: «السموات والصلحت واليل والصلاة والزكوة والربوا» الخ [النشر 1/ 11] .
وبالغ ابن الجزري (ت 833هـ) في ذلك قائلا: «فانظر كيف كتبوا الصراط المصيطرون» بالصاد المبدلة من السين وعدلوا عن السين التي هي الأصل لتكون قراءة السين وإن خالفت الرسم من وجه قد أتت على الأصل فيعتدلان وتكون قراءة الإشمام محتملة ولو كتب ذلك بالسين على الأصل لفات ذلك وعدت قراءة غير السين مخالفة للرسم والأصل، ولذلك كان الخلاف في المشهور في (بسطة) الأعراف دون (بسطة) البقرة لكون حرف البقرة كتب بالسين وحرف الأعراف بالصاد على أن مخالف صريح الرسم في حرف مدغم أو
مبدل أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك لا يعد مخالفا إذا ثبتت القراءة به ووردت مشهورة مستفاضة ألا ترى أنهم لم يعدوا إثبات ياءات الزوائد وحذف ياء (تسألني) في الكهف وقراءة (وأكون من الصالحين) والظاء من (بضنين) ونحو ذلك من مخالفة الرسم المردود فإن الخلاف في ذلك يغتفر إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد وتمشيه صحة القراءة وشهرتها وتلقيها بالقبول وذلك بخلاف زيادة كلمة ونقصانها وتقديمها وتأخيرها حتى ولو كانت حرفا واحدا من حروف المعاني فإن حكمه في حكم الكلمة لا يسوغ مخالفة الرسم فيه وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة اتباع الرسم ومخالفته (وقولنا) وصح سندها فإنا نعني به أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله كذا حتى تنتهي وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شذ بها بعضهم. [النشر 1/ 13] .