وبالغ ابن الجزري (ت 833هـ) في ذلك قائلا: «فانظر كيف كتبوا الصراط المصيطرون» بالصاد المبدلة من السين وعدلوا عن السين التي هي الأصل لتكون قراءة السين وإن خالفت الرسم من وجه قد أتت على الأصل فيعتدلان وتكون قراءة الإشمام محتملة ولو كتب ذلك بالسين على الأصل لفات ذلك وعدت قراءة غير السين مخالفة للرسم والأصل، ولذلك كان الخلاف في المشهور في (بسطة) الأعراف دون (بسطة) البقرة لكون حرف البقرة كتب بالسين وحرف الأعراف بالصاد على أن مخالف صريح الرسم في حرف مدغم أو
مبدل أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك لا يعد مخالفا إذا ثبتت القراءة به ووردت مشهورة مستفاضة ألا ترى أنهم لم يعدوا إثبات ياءات الزوائد وحذف ياء (تسألني) في الكهف وقراءة (وأكون من الصالحين) والظاء من (بضنين) ونحو ذلك من مخالفة الرسم المردود فإن الخلاف في ذلك يغتفر إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد وتمشيه صحة القراءة وشهرتها وتلقيها بالقبول وذلك بخلاف زيادة كلمة ونقصانها وتقديمها وتأخيرها حتى ولو كانت حرفا واحدا من حروف المعاني فإن حكمه في حكم الكلمة لا يسوغ مخالفة الرسم فيه وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة اتباع الرسم ومخالفته (وقولنا) وصح سندها فإنا نعني به أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله كذا حتى تنتهي وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شذ بها بعضهم. [النشر 1/ 13] .
نفى ابن الجزري (ت 833هـ) اشتراط التواتر في صحة القراءة بشدة وقال: «وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن ولم يكتف فيه بصحة السند وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر وأن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن وهذا مما لا يخفى ما فيه فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره، إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترا عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وجب قبوله وقطع بكونه قرآنا سواء وافق الرسم أم خالفه، وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم ولقد كنت قبل أجنح إلى هذا القول ثم ظهر فساده وموافقة أئمة السلف والخلف (قال) الإمام الكبير أبو شامة في «مرشده» : وقد شاع على ألسنة جماعة من القارئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين أن القراءات السبع كلها متواترة أي كل فرد فرد ما روى عن هؤلاء الأئمة السبعة قالوا والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب ونحن بهذا نقول ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق واتفقت عليه الفرق من غير نكير له مع أنه شاع واشتهر واستفاض فلا أقل من اشتراط ذلك إذا لم يتفق التواتر في بعضها. [النشر 1/ 13] .
أقول: لقد أصاب رضى الله عنه في نفي اشتراط التواتر إذ كيف يصح التواتر مع مخالفة القراء بعضهم البعض؟ وبيان أسانيدهم التي هي روايات لم تبلغ حد التواتر وأن بعضهم شرح طريقته من موافقة اثنين من الصحابة معا فكيف فيمن لا يوافقهما وليس هذا من التواتر في شيء (نعم) الاستفاضة ثابتة لكثرة الطرق وتكفي ذلك في مقام العمل فإن شأنه شأن التواتر وإن لم يكن إياه.
(بيان ذلك) ان اللفظ باللسان والكتابة باليد يتبعان الوجود الحقيقي للشيء وحقيقة القرآن هي ما أنزل على الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم من الوحي في العرضة الأخيرة وهو قرآن واحد لا
اختلاف فيه وأي غلط في القرآن لسانا أو كتابة لا يوجب نعوذ بالله غلطا في القرآن المنزّل على النبي المرسل.