: إن الخليفة الثالث أبان حكمه كان له بلا شك دور جديد أوجب حرق المصاحف الأخرى واتخاذ مصحف واحد، ولكن الروايات لا تفيد أن اختلاف المصاحف كان في النص القرآني بل العكس التأمل في الروايات نفسها يفيد أن النص القرآني الموحى إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم كان فيها واحدا، وإنما الاختلاف كان في القراءة أو التفسير، وكان دور الخليفة الثالث أن استنسخ نسخا جديدة من القرآن واعتمد في هذا الاستنساخ على نسخ الخليفتين
حسب رغبته الشخصية، لا أنها كانت تختلف عن المصاحف الأخرى في النص القرآني ويدل عليه رواية البخاري المتقدمة بقوله: «حتى إذا نسخوا الصحف من المصاحف رد عثمان الصحف فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما استنسخوا وأمر بما سواه من القرآن بكل صحيفة، أو مصحف أن يحرق» فإن التأمل في مفهوم الكلمة (نسخوا) يوضح أن دورهم كان دور الكاتب فقط، ومما يدل على أن اختلاف المصاحف هذه كانت في التفسير ما ورد في الرواية المذكورة من قوله: «فافزع حذيفة اختلافهم في القراءة» فإن الاختلاف لم يكن في النص القرآني، والمراد بالقراءة إنما هو التلفظ بالنص. لهذا السبب كان المسلمون يسمون القرآن الذي جمعه أبو موسى الأشعري ب (لباب القلوب) فإنه لا يعقل أن يسمي المسلمون القرآن بغير القرآن، فاختيار هذه التسمية يدل بوضوح على أنه لم يكن مجرد قرآن، بل كان قرآنا مع تفسير للآيات حسب فهم الأشعري أو روايته وهذا هو السبب في معارضة ابن مسعود قائلا: «ما أنزلت سورة إلا أعلم حيث نزلت» فإن هذا التعليل لا يناسب إلا التفسير، وبهذا يظهر الوجه في استحسان جماعة عمل عثمان في تكثيره نسخ القرآن بقولهم: «لولا أن عثمان كتب القرآن لألفيت الناس يقرءون الشعر» [المصاحف 13] ، فالاختلاف عند هؤلاء لم يكن في جمع القرآن بل في كتابة القرآن ونشره بين الناس كي لا يشتغلوا بغيره.
وصل ثلاثة من الصحابة إلى الحكم، كل واحد منهم إبان حكمه حاول أن يكثر نسخ القرآن في المجتمع كمأثرة لدوره في خدمة القرآن كما يقوم أصحاب الخير في عصرنا بطبع القرآن الكريم واشاعته في المجتمع لنفس الغرض، وكان الخليفة الثالث أكثرهم نجاحا في تحقيق ذلك من الخليفتين.
من الطبيعي أن عمل عثمان المتشدد بحرق المصاحف الأخرى كان لسبب سياسي انتج ردود فعل من قبل الصحابة بين مؤيد لعمله ومعارض، والجدير بالذكر التأمل في تعليل هؤلاء المؤيدين والمعارضين للموقف.
روى السجستاني عن ابن قيس المازني قوله: «لو لم يكتب عثمان المصحف لطفق الناس يقرءون الشعر» ، وكذلك أبو مجار قال: «لولا أن عثمان كتب القرآن لألفيت الناس يقرءون الشعر» (ص 13) . وتنتهي روايات المعارضة إلى عبد الله بن مسعود الذي أظهر سخطه قائلا: «تولاها رجل والله لقد أسلمت وانه لفي صلب أبيه كافر (يعني زيد بن ثابت) » وأعلن قائلا: «يا أهل الكوفة اكتموا المصاحف التي عندكم» [المصاحف ص 17] .
وفي رواية ابن كثير في النهاية [1/ 154] أن ابن مسعود علل معارضته بقوله: «والذي لا إله غيره ما أنزلت من سورة إلا أعلم حيث انزلت وما من آية إلا أعلم فيما أنزلت» وبالرغم من إصرار ابن مسعود على مصحفه فالتاريخ لم يحتفظ بنسخة منه.