فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 387

وزاد اليعقوبي (ت 284هـ) : واعتلّ ابن مسعود، فأتاه عثمان يعوده، فقال له: ما كلام بلغني عنك؟ قال: ذكرت الذي فعلته بي، إنك أمرت بي فوطئ جوفي، فلم أعقل صلاة

الظهر، ولا العصر، ومنعتني عطائي، قال: فإني أقيدك من نفسي فافعل بي مثل الذي فعل بك! قال: ما كنت بالذي أفتح القصاص على الخلفاء. قال: فهذا عطاؤك، فخذه. قال منعتنيه وأنا محتاج إليه، وتعطينيه وأنا غني عنه؟ لا حاجة لي به، فانصرف. فأقام ابن مسعود مغاضبا لعثمان حتى توفي، وصلّى عليه عمّار بن ياسر [تاريخ اليعقوبي 2/ 170] .

وروى السجستاني (ت 316هـ) عن إبراهيم لما أمر بتمزيق المصاحف قال عبد الله:

«أيها الناس غلوا المصاحف فإنه من غلّ يأت بما غلّ يوم القيامة ونعم الغل المصحف يأتي به أحدكم يوم القيامة» .

وأيضا عنه عن عبد الله بن مسعود قال: قرأ: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمََا غَلَّ يَوْمَ الْقِيََامَةِ}

[الأحزاب: 161] ، غلوا مصاحفكم فكيف تأمروني أن أقرأ قراءة زيد ولقد قرأت من في رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بضعا وسبعين سورة ولزيد ذؤابتان يلعب بين الصبيان [المصاحف 15] .

وزاد ابن الأثير (ت 630هـ) : «فكل الناس عرف فضل هذا الفعل إلا ما كان من أهل الكوفة فإن المصحف لما قدم عليهم فرح به أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وإن أصحاب عبد الله ومن وافقهم امتنعوا من ذلك وعابوا الناس فقام فيهم ابن مسعود وقال: ولا كل ذلك فإنكم والله قد سبقتم سبقا بيّنا فاربعوا على ظلعكم» [الكامل 3/ 9] .

ويظهر أن مصحف ابن مسعود كان شائعا في عصر الحجاج بن يوسف الثقفي (ت 95هـ) حيث قال ابن الأثير (ت 630هـ) : «وقال عاصم بن بهدلة: سمعت الحجاج يقول: اتقوا الله ما استطعتم هذا والله مثوبة واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ليس فيه مثوبة، والله لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا حلّت لي دماؤكم، ولا أجد أحدا يقرأ على قراءة ابن أم عبد يعني ابن مسعود إلا ضربت عنقه ولأحكّنها من المصحف ولو بضلع خنزير، وقد ذكر ذلك عند الأعمش فقال: وأنا سمعته يقول فقلت في نفسي: لأقرأنها على رغم أنفك» [الكامل 4/ 285] .

: إن الخليفة الثالث أبان حكمه كان له بلا شك دور جديد أوجب حرق المصاحف الأخرى واتخاذ مصحف واحد، ولكن الروايات لا تفيد أن اختلاف المصاحف كان في النص القرآني بل العكس التأمل في الروايات نفسها يفيد أن النص القرآني الموحى إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم كان فيها واحدا، وإنما الاختلاف كان في القراءة أو التفسير، وكان دور الخليفة الثالث أن استنسخ نسخا جديدة من القرآن واعتمد في هذا الاستنساخ على نسخ الخليفتين

حسب رغبته الشخصية، لا أنها كانت تختلف عن المصاحف الأخرى في النص القرآني ويدل عليه رواية البخاري المتقدمة بقوله: «حتى إذا نسخوا الصحف من المصاحف رد عثمان الصحف فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما استنسخوا وأمر بما سواه من القرآن بكل صحيفة، أو مصحف أن يحرق» فإن التأمل في مفهوم الكلمة (نسخوا) يوضح أن دورهم كان دور الكاتب فقط، ومما يدل على أن اختلاف المصاحف هذه كانت في التفسير ما ورد في الرواية المذكورة من قوله: «فافزع حذيفة اختلافهم في القراءة» فإن الاختلاف لم يكن في النص القرآني، والمراد بالقراءة إنما هو التلفظ بالنص. لهذا السبب كان المسلمون يسمون القرآن الذي جمعه أبو موسى الأشعري ب (لباب القلوب) فإنه لا يعقل أن يسمي المسلمون القرآن بغير القرآن، فاختيار هذه التسمية يدل بوضوح على أنه لم يكن مجرد قرآن، بل كان قرآنا مع تفسير للآيات حسب فهم الأشعري أو روايته وهذا هو السبب في معارضة ابن مسعود قائلا: «ما أنزلت سورة إلا أعلم حيث نزلت» فإن هذا التعليل لا يناسب إلا التفسير، وبهذا يظهر الوجه في استحسان جماعة عمل عثمان في تكثيره نسخ القرآن بقولهم: «لولا أن عثمان كتب القرآن لألفيت الناس يقرءون الشعر» [المصاحف 13] ، فالاختلاف عند هؤلاء لم يكن في جمع القرآن بل في كتابة القرآن ونشره بين الناس كي لا يشتغلوا بغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت