وروى السجستاني (316هـ) عدة روايات منها: «كان الرجل يقرأ حتى يقول الرجل لصاحبه كفرت بما تقول فرفع ذلك إلى عثمان بن عفان فتعاظم ذلك في نفسه فجمع اثني عشر رجلا من قريش والأنصار فيهم أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت وأرسل إلى الربعة التي كانت في بيت عمر فيها القرآن فكان يتعاهدهم، قال محمد فحدّثني كثير بن أفلح أنه كان يكتب لهم فربما اختلفوا في الشيء فأخروه، فسألت لم تؤخرونه؟ قال: لا أدري. قال
محمد: فظننت فيه ظنا فلا تجعلوه أنتم يقينا، فظننت أنهم كانوا إذا اختلفوا في الشيء أخروه حتى ينظروا آخرهم عهدا بالعرضة الآخرة فيكتبوه على قوله [المصاحف 25] .
والروايات بما فيها رواية البخاري هذه تشير إلى عدة نقاط:
1 -باعث الجمع: وهو الخلاف في القراءة في فتح إرمينية باذربيجان.
2 -مصادر الجمع: وهي الصحف التي كانت عند حفصة.
3 -لجنة الجمع: وهم أربعة: أنصاري واحد هو زيد بن ثابت وثلاثة من قريش.
4 -كيفية الجمع: الكتابة بلسان قريش.
5 -نتيجة الجمع: إرسال مصحف إلى كل أفق وحرق ما سواه من نسخ القرآن.
وإليك تفصيل هذه النقاط الخمس:
ذكر اليعقوبي (ت 284هـ) : «وسبب الجمع أن عثمان رضي الله عنه أراد أن يكون القرآن نسخة واحدة، وقيل ان ابن مسعود كان كتب بذلك إليه، فلمّا بلغه أنه يحرق المصاحف قال: لم أرد هذا. وقيل: كتب إليه بذلك حذيفة بن اليمان» [تاريخ اليعقوبي 2/ 170] .
وذكر ابن الأثير (ت 630هـ) : تفصيلا أوضح لموقف حذيفة بن اليمان وأن فكرة جمع القرآن خامرته في عام 30للهجرة من مرجعه في فتح اذربيجان قال ما لفظه: «فلما عاد حذيفة قال لسعيد بن العاص: لقد رأيت في سفرتي هذه أمرا لئن ترك الناس ليختلفن في القرآن. ثم لا يقومون عليه أبدا. قال: وما أدراك؟ قال: رأيت أناسا من أهل حمص يزعمون أن قراءتهم خير من قراءة غيرهم وأنهم أخذوا القرآن عن المقداد، ورأيت أهل دمشق يقولون: إن قراءتهم خير من قراءة غيرهم، ورأيت أهل الكوفة يقولون مثل ذلك وأنهم قرءوا على ابن مسعود، وأهل البصرة يقولون مثل ذلك وأنهم قرءوا على أبي موسى ويسمون مصحفه «لباب القلوب» .
فلما وصلوا إلى الكوفة أخبر حذيفة الناس بذلك وحذّرهم ما يخاف، فوافقه أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وكثير من التابعين، وقال له أصحاب ابن مسعود: ما تنكر؟ ألسنا نقرأه على قراءة ابن مسعود؟ فغضب حذيفة ومن وافقه، وقالوا: إنما أنتم أعراب فاسكتوا فإنكم على خطأ. وقال حذيفة: والله لئن عشت لآتين أمير المؤمنين، ولأشيرن عليه أن يحول بين الناس وبين ذلك. فأغلظ له ابن مسعود، فغضب سعيد وقام، وتفرّق الناس وغضب حذيفة وسار
إلى عثمان فأخبره بالذي رأى وقال: «أنا النذير العريان، فأدركوا الأمة» [الكامل 3/ 8] .