وقال الراغب (ت 503) : «والسورة المنزلة الرفيعة وسور المدينة حائطها وسورة القرآن تشبيها بها لكونه محاطا بها احاطة السور بالمدينة أو لكونها منزلة كمنازل القمر ومن قال سؤرة فمن اسأرت أي أبقيت منها بقية كأنها قطعة مفردة من جملة القرآن» [المفردات ص 254] .
والمستفاد من الاستعمالات المفردة لهذه المادة أن المعنى الجامع هو الشيء المحيط على الآخر إحاطة تامة كاملة كقطعة مستقلة بحيث لا يمكن الإفلات عنها ولذلك سميت الخمر سورة عند حدتها وكذا غيرها كسور البلد التي تجعله مستقلا فالسورة من القرآن معناها قطعة مستقلة منه وليس المراد خصوص السور (114) التي يتألف منها القرآن بل كل قطعة مستقلة ذات موضوع كامل. هو أشبه بما هو المصطلح اليوم بالمقطع أو الركوع وما شابه ذلك هذا من الناحية اللغوية.
ليس تحديد السورة بالآيات التي نزل الوحي بها متتالية إذ أنها تختلف طولا وقصرا فأقصر السور سورة الكوثر وهي ثلاث آيات وأطولها سورة البقرة وهي 280آية. كما أنها ليست بوحدة الموضوع فإن مواضيع سورة واحدة تختلف اختلافا كبيرا والطريق الوحيد لتحديد السورة ما تعارف عليه في عصر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وتحت إشرافه من دون أي نكير.
قال السيوطي (ت 911هـ) : «قيل الحكمة في تسوير القرآن سورا تحقيق كون السورة بمجردها معجزة وآية من آيات الله والإشارة إلى أن كل سورة نمط مستقل، فسورة يوسف تترجم عن قصته وسورة براءة تترجم عن أحوال المنافقين وأسرارهم إلى غير ذلك، والسور سورا طوالا وأوساطا وقصارا تنبيها على أن الطول ليس من شرط الإعجاز، فهذه سورة الكوثر ثلاث آيات [الاتقان 1، 66] .
قال الجعبري: حدّ السورة قرآن يشتمل على آي ذوات فاتحة وخاتمة. واقلها ثلاث آيات. فإن قيل: فما الحكمة في تقطيع القرآن سورا؟ قلت: هي الحكمة في تقطيع السور آيات معدودات لكل آية حدّ ومطلع حتى تكون كل سورة بل كل آية فنّا مستقلا وقرآنا معتبرا [البرهان 1/، 264] .
وكلامه (رحمه الله) متين جدا بالنسبة إلى السور القصار فإنها ذات موضوع واحد وتحتوي على مقدمة وموضوع وخاتمة حسب تعبيرنا اليوم. وذلك لا يستقيم في السور الطوال فإنها ذات مقاطع في مواضيع مختلفة لكل موضوع مقدمة وخاتمة. مثلا: آية الكرسي فإنها تعد آية مع أنها لا تعد سورة بل آية من سورة البقرة. فالأولى تحديد السورة بأنها قسم من القرآن الذي حدده الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم قسما مستقلا عن سائر أقسام القرآن إمّا لوحدة الموضوع كما في السور القصار غالبا أو لوحدة المقصود كتشريع خاص في المجتمع المدني، كما هو الحال في سورة البقرة وهكذا وإن لم نعرف المقصود بالتفصيل.