{وَمََا تَوْفِيقِي إِلََّا بِاللََّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}
محمد حسين الحسيني الجلالي
شاع في عصرنا مصطلح علوم القرآن ويعنى به طائفة من البحوث المتعلقة بالقرآن ولم أجد من حدده بدقة، والأفضل أن يقال أنه العلم الباحث حول أحوال النص القرآني كتابة وقراءة ومعنى، وبذلك تخرج بحوث المواضيع القرآنية من التوحيد مثلا فإنها ليست من أحوال النص بل من معاني ومواضيع القرآن. ويشتمل هذا المصطلح بحوث رسم القرآن والقراءات والناسخ والمنسوخ وكذلك البحث في الفرق في التأويل والتفسير واقسامهما حيث أنها من أحوال النص القرآني، ويخرج علم التفسير حيث هو معنى النص وليس من أحوال النص. أما بداية استعمال هذا المصطلح تاريخيا فغير واضح والظاهر أنه حصل في العصور المتأخرة وقد بحث فيها القدماء في كل منها بانفراد، فأول من بحث في إعراب القرآن هو الإمام علي عليه السّلام حيث أشار على أبي الأسود الدؤلي (ت 69هـ) بقوله: «تأملت كلام العرب فوجدت أنه قد فسد بمخالطة هذه الحمراء» [الأعاجم] ثم قال: «الكلام كله اسم وفعل وحرف» وفصلها بقوله: «انح هذا النحو واضف إليه ما وقع إليك» ، ولذلك سمي علم النحو [راجع: معجم الأدباء، مجلد 12، صفحة 34] . وقال الداني: «إن أبا الأسود أول من أعجم القرآن بإرشاد من الإمام علي عليه السّلام [نقط المصاحف للداني، 132] وطبيعي أن يهتم العلماء الأوائل بالبحوث المستجدة حسب ولادة الحاجة إليها ونجد رسائل مفردة لهم في مواضيع خاصة كما سيأتي منها التفسير وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ والقراءات وغريب القرآن ومشكل القرآن وإعجاز القرآن وأمثال القرآن ومجاز القرآن وغيرها.
ولعل أول من ألّف في علوم القرآن هو ابن الجوزي (ت 594هـ) بعنوان: «فنون الأفنان في علوم القرآن» واشهر المصادر اليوم في الموضوع كتابان هما:
1 -البرهان في علوم القرآن لبدر الدين الزركشي (ت 794هـ) ، في أربع مجلدات، طبعة القاهرة، 1391هـ / 1972م.
2 -الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين السيوطي (ت 911هـ) ، في مجلدين، طبعة القاهرة، 1370هـ / 1951م.
وعدّ الزركشي علوم القرآن (47) نوعا والسيوطي عنون (80) بحثا في علوم القرآن.
وكان ينبغي أن أرتب هذه الدراسة على مقدمة في تعريف علوم القرآن والوحي وأبواب في أحوال النص القرآني من جمع القرآن وأحوال قراءة النص من الترتيل والتجويد وغيرهما وأحوال معاني القرآن من ترجمة القرآن وغيرها، ولكن لأكثر هذه المواضيع رسائل مفردة بالتصنيف وكتب وموسوعات. فقد حدّثني الدكتور عبد الحميد العلوجي أنه أعد مليون بطاقة للدراسات القرآنية وليس ذلك بمستغرب في كتاب يتلوه المسلمون في أنحاء العالم آناء الليل وأطراف النهار. لذلك حاولت في هذه الدراسة الاقتصار على أهم ما يفتقر إليه في أحوال القرآن نصا ونطقا، ويرجع لتفصيل ذلك إلى المصادر المتيسرة.