ولم يكن لأحد منهم دور قيادي كما قام به ابن مجاهد (ت 324هـ) بتحديدها بالقراءات السبع.
ذكر ابن الجزري (ت 833هـ) أن ابن مجاهد (ت 324هـ) هو أول من سبّع السبعة [غاية النهاية 1/ 142] . وهو أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي البغدادي العطشي ولد ببغداد سنة 245هـ وتوفي سنة 324هـ ويعني أنه عاش 69عاما.
وطبيعي أنه تعلّم شأن معاصريه العلوم العربية وحفظ القرآن وقد انتهت إليه شيخوخة القراءة في عصره واشتهر كتابه «السبعة» في القراءات الذي حاول فيه حصرها في السبعة.
ترجمه ابن النديم (ت 380هـ) بقوله: «ابن مجاهد آخر من انتهت إليه الرئاسة بمدينة السلام في عصره. أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد، وكان واحد عصره غير مدافع، وكان من فضله وعلمه وديانته ومعرفته بالقراءات وعلوم القرآن، حسن الأدب، رقيق الخلق كثير المداعبة ثابت الفطنة جوادا، ومولده سنة خمس وأربعين ومائتين، وتوفي في يوم الأربعاء لليلة بقيت من شعبان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، ودفن في تربة في حريم داره بسوق العطش ثاني يوم موته، وله من الكتب: كتاب «القراءات الكبير» ، كتاب «القراءات الصغير» ، كتاب «الياءات» ، كتاب «الهامات» ، كتاب «قراءة أبي عمرو» ، كتاب «قراءة ابن كثير» ، كتاب «قراءة عاصم» ، كتاب «قراءة نافع» ، كتاب «قراءة حمزة» ، كتاب «قراءة الكسائي» ، كتاب «قراءة ابن عامر» ، كتاب «قراءة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم» [الفهرست 49] .
وترجمه الخطيب (ت 463هـ) بقوله: «كان شيخ القراء في وقته والمقدم فيهم على أهل عصره كان ثقة مأمونا. وعن أحمد بن يحيى أنه قال في سنة 286هـ ما بقي في عصرنا هذا أحد أعلم بكتاب الله من أبي بكر بن مجاهد وروى في حياته أمرين لا يجتمعان عادة في شخص واحد:
الرواية الأولى: عن أبي الفضل الزهري قال: حدّثنا أبو الفتح محمد بن عمر الرفّاء قال: سمعت أبا بكر المحبري بالنهروان قال: صليت خلف أبي بكر بن مجاهد صلاة الغداة فاستفتح بقراءة الحمد ثم سكت، ثم استفتح ثانية ثم سكت، ثم ابتدأ بالقراءة.
فقلت: أيها الشيخ رأيت اليوم منك عجبا! فقال لي: شهدت المكان؟ فقلت: نعم. فقال أشهدتك الله إن حدثت به عني إلى أن أوارى تحت أطباق الثرى. فقال لي يا بني ما هو إلا أن كبرت تكبيرة الإحرام حتى كأني بالحجب قد انكشفت ما بيني وبين رب العزة تعالى، سرا بسر، ثم استفتحت بقراءة الحمد فاستجمع كل حمد لله في كتابه ما بين عيني، فلم أدر بأي الحمد أبتدئ. [تاريخ بغداد 5/ 145] .
الرواية الثانية: في مجلس طعام بعد أن ينتهي عن الأكل يسأل المحدث عن ابن غريب المغني ونصها: فقلت له: أين ابن غريب؟ فقال لي عند بعض الرؤساء وقد حال بيننا وبينه، فشق علي وتبين أبو بكر بن مجاهد ذلك مني، فقال لي: هاهنا من ينوب عن ابن غريب.