قال القسطلاني (ت 923هـ) : «قال في شرح السنة، في هذا الحديث البيان الواضح أن الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين الدفتين القرآن المنزل من غير أن يكونوا زادوا أو نقصوا منه شيئا باتفاق منهم من غير أن يقدّموا شيئا أو يؤخروه بل كتبوه في المصاحف على الترتيب
المكتوب في اللوح المحفوظ بتوقيف جبريل عليه السّلام على ذلك وإعلامه عند نزول كل آية بموضعها وأين تكتب وقال أبو عبد الرحمن السلمي كان قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة وهي التي قرأها صلّى الله عليه وآله وسلّم على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه وكان زيد شهد العرضة الأخيرة وكان يقرئ الناس بها حتى مات ولذلك اعتمده الصديق في جمعه وولاه عثمان كتبة المصاحف. قال السفاقسي فكان جمع أبي بكر خوف ذهاب شيء من القرآن بذهاب حملته إذ أنه لم يكن مجموعا في موضع واحد وجمع عثمان لما كثر الاختلاف في وجوه قراءته حين قرئ بلغاتهم حتى أدّى ذلك إلى تخطئة بعضهم بعضا فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مقتصرا من اللغات على لغة قريش إذ هي أرجحها [إرشاد الساري 7، 449] .
وعلى ضوء ذلك تتأكد رواية أهل البيت عليهم السّلام بأن القرآن كان مجموعا في عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وتحت إشرافه ويقتضيه الاعتبار من أن دور الصحابة ابتداء من الخليفة الأول رضي الله عنه وحتى الخليفة الثالث رضي الله عنه لم يكن سوى المحافظة على النص باستنساخه ونشره. وذلك يستدعي دراسة الأحرف السبعة ومصاحف الصحابة لارتباطهما بالموضوع ارتباطا مباشرا.
انفرد مذهب أهل البيت عليهم السّلام بوحدة النص القرآن المنزل على قلب الرسول المرسل صلّى الله عليه وآله وسلّم فعن الإمام الباقر عليه السّلام (ت 114هـ) أنه قال: «إن القرآن واحد نزل من عند واحد ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة [الكافي 2/ 630] .
وهذه الرواية تستلزم سلامة النص القرآني وكتابته في عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم والاعتبار يساعد على أن تكون الاختلافات من جهة الرواة لاختلاف في قراءة النص أو في سماعه أو في قراءة النص المجرد عن التنقيط أو في سماعهم المتلو من النص.
والتأمل فيما روي عن تعدد الأحرف السبعة يفيد أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم سمح في موارد خاصة بالقراءة ولم يكن إذنا عاما بالنقل بالمعنى كما قد يتوهم إذ لو كان كذلك لكان الاختلاف كثيرا مع أن الوجوه المختلفة في القراءة في النص القرآني نشأت من احتمال في الإعراب أو مادة أخرى يتحملها رسم الخط الكوفي وهي اختلافات طارئة وأن القرآن نزل بهيئة خاصة واحدة وإعراب خاص ومادة خاصة وهذه الاحتمالات المختلفة جاءت من قبل الرواة.
ورويت أحاديث كثيرة في الصحاح والمسانيد تفيد تعدد الأحرف منها رواية البخاري (ت 256هـ) في باب أنزل القرآن على سبعة أحرف.