فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 387

والتأمل فيما روي عن تعدد الأحرف السبعة يفيد أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم سمح في موارد خاصة بالقراءة ولم يكن إذنا عاما بالنقل بالمعنى كما قد يتوهم إذ لو كان كذلك لكان الاختلاف كثيرا مع أن الوجوه المختلفة في القراءة في النص القرآني نشأت من احتمال في الإعراب أو مادة أخرى يتحملها رسم الخط الكوفي وهي اختلافات طارئة وأن القرآن نزل بهيئة خاصة واحدة وإعراب خاص ومادة خاصة وهذه الاحتمالات المختلفة جاءت من قبل الرواة.

ورويت أحاديث كثيرة في الصحاح والمسانيد تفيد تعدد الأحرف منها رواية البخاري (ت 256هـ) في باب أنزل القرآن على سبعة أحرف.

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف [البخاري 2/ 228] .

وهذه الرواية تقتضي أن الوحي نزل على حرف واحد لأول مرة وأن القراءة أيضا كانت قراءة واحدة وأن التعدد حصل بعد فترة راجع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فيها جبرائيل واستزاده وأنه لم يزل يستزيده ولم تتحدد الفترات لهذه الاستزادة ولا مكانها. هل كانت في مكة أم المدينة؟ وليس السبب لهذه الاستزادة مذكورا في هذا الحديث.

ولكن الترمذي (ت 279هـ) روى ما يذكر السبب لهذه الاستزادة قال ما نصه: «نعى رسول الله جبرائيل فقال: يا جبرائيل: إني بعثت إلى أمة أمية فيهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط. قال: يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف [صحيح الترمذي 10/ 61] .

هذه أصرح الروايات بأن السبب أمية المسلمين الأوائل وبالنتيجة الغرض هو التوسعة على الأمة ليتمكن كل من العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية ومن لا يكتب كما كانت الحالة في ذلك وهذا لا يستلزم تعدد القراءات بالذات بل قد يكون المراد أن القرآن لم ينزل لطبقة خاصة من المجتمع كما كانت الحالة في الأديان الأخرى حيث حكمت الكهنوت في ذلك وأن أفراد كل مجتمع يهتدون بهدي القرآن كل حسب فهمه فإن هذا التعليل في الرواية يفيد أن موضوع روايات القراءة السبع ليس القراءات المتداولة في عصرنا بل معنى آخر من المعاني الكثيرة التي ذكرها المحدّثون.

وروى الطبري (ت 310هـ) حديثا في نزول القرآن على سبعة أحرف وذهب إلى أنها تعني أنه نزل القرآن بسبع لغات وأمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بقراءته على سبعة ألسن [1/ 42] ولفظه:

«قال عبد الله بن مسعود: تمارينا في سورة من القرآن، فقلنا: خمس وثلاثون أو ست وثلاثون آية. قال: فانطلقنا إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فوجدنا عليا يناجيه، قال: فقلنا: إنا اختلفنا في القراءة. قال: فاحمرّ وجه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال: «إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم بينهم» . قال: ثم أسرّ إلى عليّ شيئا، فقال لنا علي: إن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يأمركم أن تقرءوا كما علّمتم» [الطبري 1/ 36] .

وهذا الحديث ينهى عن التمادي في ضبط العدد للآيات والتأكيد على القراءة كما تعلمه

الإنسان أي أنه لا يجوز الاجتهاد في النص القرآني بل يجب سلوك التعلم والتعليم عن الأستاذ والشيخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت