وهذا الحديث ينهى عن التمادي في ضبط العدد للآيات والتأكيد على القراءة كما تعلمه
الإنسان أي أنه لا يجوز الاجتهاد في النص القرآني بل يجب سلوك التعلم والتعليم عن الأستاذ والشيخ.
ومن الطبيعي أن يتغير وجه الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم القائد لما سمع الاختلاف في القراءة وأن يستنكر، ذلك بأن الهلاك هو نتيجة الاختلاف، ولكنه صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يفعل شيئا لرفع هذا الاختلاف ولم يقل شيئا قط بل أسرّ كما في الرواية لعلي وأعلن علي عن أن الرسول يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علّم، فلماذا لم يعلن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ذلك بنفسه؟ ولماذا أسرّ ذلك لعلي خاصة؟ يظهر أن كلّا من الرسول وعلي تنبها بأن المنافقين يريدون إيقاع الخلاف بين القراء، ولو ساند صلّى الله عليه وآله وسلّم قراءة خاصة أو قارئا خاصا استغلوا الفرصة للوقيعة بالآخر مع أن الرسول يمكن أن أجاز القراءة تسهيلا أو ليفشل خططهم وأفشل خطط المنافقين بالتأكيد على أن يقرأ كل كما علّم ولم يبق مجال للوقيعة بالخلاف لأن الدستور يوجب علينا بأن نتعلم القراءة ولا نكتفي بقراءة الكتاب من دون تعلم.
وأيضا روى الطبري بإسناده عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن جده، قال: قرأ رجل عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فغيّر عليه، فقال: لقد قرأت على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فلم يغيّر عليّ. قال: فاختصما عند النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال: يا رسول الله، ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: بلى! قال: فوقع في صدر عمر شيء، فعرف النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ذلك في وجهه، قال: فضرب صدره وقال: ابعد شيطانا قالها ثلاثا ثم قال: «يا عمر، إن القرآن كله صواب، ما لم تجعل رحمة عذابا أو عذابا رحمة» [تفسير الطبري 1/ 237] .
وهذه الرواية لا تحدد الآية المختلف فيها وأن النبي عرف الشك في وجه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وضرب على صدره وكرر ثلاثا «ابعد شيطانا» ولا يمكن منها معرفة طبيعة التغيير ولكن رويت رواية أخرى تذكر الخلاف بين المتخاصمين عمر بن الخطاب وهشام بن حكم وتحدد طبيعة التغيير وأنها كانت في سورة الفرقان.
فقد روى الطبري أيضا بإسناده عن عروة بن الزبير: أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القاريّ أخبراه أنهما سمعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبّرت حتى سلّم، فلما سلّم لبّبته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها؟ قال أقرأنيها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم! فقلت: كذبت، فو الله إن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها! فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقلت: يا رسول الله، إني
سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان! قال: