فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 387

فإن هذه الموارد ليست إلا اختيارات شخصية كسائر القراء في عصره. ولم تكن معاملة ابن مجاهد إياه بحدود الأدب بل كان من منظار سياسي. وبالقضاء على شخصية ابن شنبوذ أخذت القراءات الأخرى بالأفول. ولكن، لم يعد ابن شنبوذ من مناصرين له في الفكر منهم محمد بن الحسن بن مقسم.

ترجمه ابن النديم (ت 380هـ) بقوله: «أبو بكر محمد بن الحسن بن مقسم بن يعقوب. أحد القراء بمدينة السلام قريب العهد وكان عالما باللغة والشعر. سمع من ثعلب (روى عنه) وتوفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. وله من الكتب: كتاب «الأنوار في علم القرآن» . كتاب «المدخل إلى علم الشعر» ، كتاب «احتجاج القراءات» ، كتاب «في النحو (كبير) » ، كتاب «المقصور والممدود» ، كتاب «المذكر والمؤنث» ، كتاب «الوقف والابتداء» ، كتاب «عدد التمام» ، كتاب «المصاحف» ، كتاب اختيار نفسه، كتاب «السبعة بعللها (الكبير) » ، كتاب «السبعة الأوسط» ، كتاب «الأوسط» ، آخر. كتاب «الأصغر» ويعرف ب «شفاء الصدور» ، كتاب «انفراداته» ، كتاب «مجالس ثعلب» . [ابن النديم 52] .

وقال الذهبي (ت 748هـ) ما نصه: «ابن الحسن بن مقسم الإمام أبو بكر البغدادي، المقرئ النحوي العطار. أخذ القراءة عرضا عن إدريس الحداد، وداود بن سليمان صاحب وعده جمعا ثم قال: «كان من أحفظ أهل زمانه لنحو الكوفيين، وأعرفهم بالقراءات، مشهورها وغريبها وشاذها.

قال أبو عمرو الداني: هو مشهور بالضبط والاتقان، عالم بالعربية، حافظ للغة، حسن التصنيف في علوم القرآن، وكان قد سلك مذهب ابن شنبوذ الذي أنكر عليه، فحمل الناس عليه لذلك. قال: وسمعت عبد العزيز بن جعفر يقول: سمعت منه أمالي ثعلب، واختار حروفا خالف فيها العامة، فنوظر عليها فلم يكن عنده حجة، فاستتيب، فرجع عن اختياره بعد أن وقّف للضرب، وسأل ابن مجاهد أن يدرأ عنه ذلك، فدرئ عنه، فكان يقول: ما لأحد عليّ منة كمنة ابن مجاهد ثم رجع بعد موت ابن مجاهد إلى قوله، فكان ينسب إلى أن كل قراءة توافق خط المصحف، فالقراءة بها جائزة، وإن لم يكن لها مادة.

قال أبو بكر الخطيب: لابن مقسم كتاب جليل في التفسير، ومعاني القرآن سماه كتاب «الأنوار» ، وله تصانيف عدة، ومما طعن عليه أنه عمد إلى حروف من القرآن فخالف الإجماع فيها، فقرأها وأقرأها على وجوه، ذكر أنها تجوز في اللغة العربية، وشاع ذلك عنه، فأنكر عليه، فارتفع الأمر إلى السلطان، فأحضره واستتابه بحضرة الفقهاء والقراء، فأذعن بالتوبة، وكتب محضر توبته. وقيل: إنه لم ينزع عن تلك الحروف، وكان يقرئ بها إلى آخر وفاته.

وقال أبو طاهر بن أبي هاشم في كتاب «البيان» : وقد نبغ نابغ في عصرنا هذا، فزعم

أن كل من صح عنده وجه في العربية لحرف من القرآن يوافق خط المصحف، فقراءته جائزة في الصلاة وغيرها، فابتدع بقيله ذلك بدعة ضلّ بها عن قصد السبيل، وأورط نفسه في منزلة عظمت بها جنايته على الإسلام وأهله، وحاول إلحاق كتاب الله من الباطل ما لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه، إذ جعل لأهل الإلحاد في دين الله بسبب رأيه طريقا إلى مغالطة أهل الحق، بتخيير القراءات من جهة والبحث والاستخراج بالآراء، دون الاعتصام والتمسك بالأثر، وكان شيخنا أبو بكر نضّر الله وجهه سئل عن بدعته المضلة، فاستتابه منها بعد أن سئل البرهان على ما ذهب إليه، فلم يأت بطائل، ولم يكن له حجة، فاستوهب أبو بكر تأديبه من السلطان، عند توبته، ثم عاود في وقتنا هذا إلى ما كان ابتدعه، واستغوى من أصاغر الناس من هو في الغفلة والغباوة دونه، إلى أن قال ابن هاشم: وذلك أنه قال: لما كان لخلف بن هشام وأبي عبيد، وابن سعدان، أن يختاروا، وكان ذلك لهم مباحا غير منكر، كان لمن بعدهم مباحا. فلو كان حذا حذوهم فيما اختاروه، وسلك طريقهم، لكان ذلك سائغا له ولغيره، وذلك أن خلفا ترك حروفا من حروف حمزة، اختار أن يقرأها على مذهب نافع، وأما أبو عبيد وابن سعدان، فلم يتجاوز واحد منهما قراءة أئمة الأمصار، وإنما كان النكير على هذا شذوذه عما عليه الأئمة الذين هم الحجة فيما جاءوا به مجتمعين ومختلفين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت