فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 387

وقال أبو طاهر بن أبي هاشم في كتاب «البيان» : وقد نبغ نابغ في عصرنا هذا، فزعم

أن كل من صح عنده وجه في العربية لحرف من القرآن يوافق خط المصحف، فقراءته جائزة في الصلاة وغيرها، فابتدع بقيله ذلك بدعة ضلّ بها عن قصد السبيل، وأورط نفسه في منزلة عظمت بها جنايته على الإسلام وأهله، وحاول إلحاق كتاب الله من الباطل ما لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه، إذ جعل لأهل الإلحاد في دين الله بسبب رأيه طريقا إلى مغالطة أهل الحق، بتخيير القراءات من جهة والبحث والاستخراج بالآراء، دون الاعتصام والتمسك بالأثر، وكان شيخنا أبو بكر نضّر الله وجهه سئل عن بدعته المضلة، فاستتابه منها بعد أن سئل البرهان على ما ذهب إليه، فلم يأت بطائل، ولم يكن له حجة، فاستوهب أبو بكر تأديبه من السلطان، عند توبته، ثم عاود في وقتنا هذا إلى ما كان ابتدعه، واستغوى من أصاغر الناس من هو في الغفلة والغباوة دونه، إلى أن قال ابن هاشم: وذلك أنه قال: لما كان لخلف بن هشام وأبي عبيد، وابن سعدان، أن يختاروا، وكان ذلك لهم مباحا غير منكر، كان لمن بعدهم مباحا. فلو كان حذا حذوهم فيما اختاروه، وسلك طريقهم، لكان ذلك سائغا له ولغيره، وذلك أن خلفا ترك حروفا من حروف حمزة، اختار أن يقرأها على مذهب نافع، وأما أبو عبيد وابن سعدان، فلم يتجاوز واحد منهما قراءة أئمة الأمصار، وإنما كان النكير على هذا شذوذه عما عليه الأئمة الذين هم الحجة فيما جاءوا به مجتمعين ومختلفين.

قال الخطيب: حدّثني أبو بكر أحمد بن محمد الغزال، سمعت أبا أحمد الفرضي غير مرة يقول: رأيت في المنام كأني في الجامع أصلّي مع الناس، وكان محمد بن الحسن بن مقسم قد ولى ظهره القبلة، وهو يصلي مستدبرها، فأولت ذلك بمخالفته للأئمة، فيما اختاره لنفسه.

ولد ابن مقسم سنة خمس وستين ومائتين، وتوفي في ثامن ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وثلاث مائة «توفي على ساعات من النهار ودفن بعد صلاة الظهر من يومه» . [معرفة القراء 306/ 309] .

وعلى العكس مما فعله ابن شنبوذ من القراءات المخالفة لمصحف عثمان من دون بيان الأوجه لذلك جاء دور محمد بن الحسن بن مقسم (ت 354هـ) من وجهة لغوية وتلخصت دعواه بأن: «كل قراءة توافق خط المصحف فالقراءة بها جائزة وإن لم تكن لها مادة» .

وذكر كما في روايات الخطيب: «أنها تجوز في اللغة والعربية» .

وسترى فيما بعد أن هذا مما اتفق عليه في صحة القراءات اليوم.

وحجة ابن مقسم على ما حكاه مناوئوه: «لما كان من يخلف ابن هشام وأبي عبيد وابن سعدان أن يختاروا وكان ذلك لهم مباحا غير منكر كان لمن بعدهم مباحا أيضا» . وهذه الحجة تعني أن الاختيارات ليست توقيفية فحال القراء فيها واحد سواء من تأخر زمنا أو تقدم بشرطين هما: موافقة خط المصحف وموافقة اللغة العربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت