وكذلك فاتحة الكتاب فإنها كانت أول ما نزلت بعد ترتيب القرآن تحت إشراف النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ولذلك سميت بفاتحة الكتاب أي مقدمة الكتاب واستفاض عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم قوله: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» [راجع: مسلم 2، 9] .
كذلك رويت الروايات المختلفة في آخر سورة نزلت.
قال الزركشي: «روى مسلم آخر سورة نزلت جميعا: {إِذََا جََاءَ نَصْرُ اللََّهِ} [1، 21] .
وروي عن الصادق عليه السّلام قوله: «وآخر ما نزل عليه: {إِذََا جََاءَ نَصْرُ اللََّهِ} » [2، 39] .
والتّأمل في هذه الرواية يكشف أن الآخرية أيضا نسبية فقد استفاضت الروايات بأن سورة «النصر» نزلت عام فتح مكة، فهي آخر سورة مكية ولا تستلزم أن تكون آخر ما نزل على الرسول في حياته في المدينة أو في الطريق بين مكة والمدينة. ومن هنا يظهر أن الأقوال الكثيرة في أول آية نزلت وآخر آية نزلت من الأمور النسبية التي ينبغي التأمل فيها من حيث السير التاريخي ومدلول النص القرآني. والاعتبار يساعد على أن يكون قوله تعالى:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلََامَ دِينًا} [المائدة: 3] آخر آية نزلت من القرآن الكريم فإن مدلولها صريح بكمال الرسالة الإسلامية التي هي رسالة القرآن.
ومذهب أهل البيت يؤكد على هذا، وأنها نزلت في موضع الغدير حين رجوع الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم من مكة إلى المدينة في 18ذي الحجة عام 10هـ قبيل وفاته صلّى الله عليه وآله وسلّم بأيام.
ونقل اليعقوبي (ت 284) ترتيب ما نزل من القرآن بمكة عن محمد بن حفص بن أسد الكوفي عن محمد بن كثير ومحمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
وعددها وأول سورة فيها «اقرأ» وآخرها «العنكبوت» [تاريخ اليعقوبي 2، 3433] .
ولم يذكر اليعقوبي ما نزل من القرآن في المدينة برواية ابن عباس بل ذكر عدد ذلك من دون نسبة وأولها «ويل للمطففين» وآخرها «المعوذتان» [راجع ص 43] .
وقال ابن النديم (ت 380هـ) : «نزلت بمكة خمس وثمانون سورة ونزل بالمدينة ثمان وعشرون سورة» عن ابن عباس، ثم عدد ما نزل بالمدينة مبتدئا بالبقرة ومنتهيا بالمعوذات.
ولم يعدد ما نزل بمكة واكتفى بالقول (ثم سائر القرآن) [الفهرست ص 28] .
وروى ابن النديم (ت 380هـ) عن محمد بن نعمان بن بشير قال: أول ما نزل من القرآن على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} إلى قوله: {عَلَّمَ الْإِنْسََانَ مََا لَمْ يَعْلَمْ} . ثم:
{يََا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} ، وآخرها بطريق مكة. ثم: المدّثر [الفهرست ص 28] .
وقد استخرج محمد عزة دروزة المعاصر في كتابه «التفسير الحديث» السور مرتبة
حسب النزول مبتدأ ب «الفاتحة» ثم «العلق» إلى «النصر» واعتمد في هذا الترتيب على مصحف الخطاط قدر وعلي الذي طبع بتصريح من وزارة الداخلية المصرية واستخرج ترتيب نزول السور على حسب ما ورد في مطالع السور في هذا المصحف [التفسير الحديث، المجلد الأول 1514، ط. الحلبي 1380هـ] .