روى السجستاني عن ابن قيس المازني قوله: «لو لم يكتب عثمان المصحف لطفق الناس يقرءون الشعر» ، وكذلك أبو مجار قال: «لولا أن عثمان كتب القرآن لألفيت الناس يقرءون الشعر» (ص 13) . وتنتهي روايات المعارضة إلى عبد الله بن مسعود الذي أظهر سخطه قائلا: «تولاها رجل والله لقد أسلمت وانه لفي صلب أبيه كافر (يعني زيد بن ثابت) » وأعلن قائلا: «يا أهل الكوفة اكتموا المصاحف التي عندكم» [المصاحف ص 17] .
وفي رواية ابن كثير في النهاية [1/ 154] أن ابن مسعود علل معارضته بقوله: «والذي لا إله غيره ما أنزلت من سورة إلا أعلم حيث انزلت وما من آية إلا أعلم فيما أنزلت» وبالرغم من إصرار ابن مسعود على مصحفه فالتاريخ لم يحتفظ بنسخة منه.
وموقف الإمام علي عليه السّلام كان كمواقفه الأخرى، موقفا يقتضيه السهر على وحدة المسلمين وسلامة النص القرآني، وكان له نفس الموقف حينما حصل الخلاف في القراءة في حياة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم على ما تقدم.
أما موقف أهل البيت عليهم السّلام والإمام علي عليه السّلام الذي لازم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم منذ إسلامه من صباه حتى وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم والذي سهر في المحافظة على كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، أنه عاصر كل هذه المحاولات، ولم يجد فيها أي ضرر على النص القرآني، وكان له عليه السّلام كغيره من الصحابة مصحف خاص مجموع لنفسه، وكان يمتاز حسب بعض الروايات بالترتيب الزمني حسب النزول كما أن فاطمة الزهراء عليها السّلام كان لها مصحف خاص. ويظهر أن اختلاف مصاحفهم كمصاحف أبي موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود، إنما كان في احتوائها على التفسير بالإضافة إلى النص القرآني، ولهذا السبب أمر الإمام علي عليه السّلام المسلمين بالالتزام بالنص القرآني بقوله: «اقرءوا كما علمتم» الطبري [1/ 24] وعليه سيرة أهل البيت عليهم السّلام كافة حتى اليوم.
روى السجستاني (ت 316هـ) : أن عثمان رضي الله عنه قال: «في القرآن لحن وستقيمه العرب بألسنتها» [المصاحف 31] .
وطبيعي أن الخليفة الثالث رضي الله عنه لم يقصد انتقاد النص القرآني بأن فيه لحنا وإنما عنى المصحف الإمام خاصة وهذا أول رد فعل له على عمل نفسه وليس المقصود ظاهرا أكثر من أن العمل الذي قام به ليس كاملا كما أراد فإن الكمال المطلق لله وحده.
(اذن) حيث قد تنبه هو إلى نوع من اللحن فلماذا لم يحدده أو يحاول استئصاله؟
(والظاهر) أنه لم ير لهذا النوع من اللحن ضررا على سلامة النص القرآني. وهذا الموقف بظاهره لا يستقيم إذ أن ذلك يستلزم اهمال خطورة الاختلاف المزعوم والمفروض أن الجمع العثماني كما صورته الروايات إنما كان لقطع مادة الخلاف.
والذي يوجبه التأمل في كلام عثمان أنه عنى باللحن اللهجات خاصة حيث قال:
«ستقيمه العرب بألسنتها، ومن هنا نستكشف أن هدف عثمان لم يكن إلا كتابة النص القرآني
ليكون نصا رسميا للمسلمين عامة ولم يقصد القراءات، فكان همه وحدة النص لا وحدة القراءة».