فأمر الوزير بضربه سبع درر، وهو يدعو على الوزير، بأن يقطع الله يده، ويشتت شمله، ثم أوقف على الحروف التي يقرأ بها، فأهدر منها ما كان شنعا، وتوبوه عن التلاوة بها غصبا. وقيل: إنه أخرج من بغداد، فذهب إلى البصرة، وقيل: إنه لما ضرب بالدرة جرد وأقيم بين الهنبازين، وضرب نحو العشر، فتألم وصاح، وأذعن بالرجوع.
وقد استجيب دعاؤه على الوزير، وقطعت يده، وذاق الذل.
توفي ابن شنبوذ في صفر سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة، وفيها هلك ابن مقلة.
[معرفة القراء 2/ 279] .
لم يؤثر عن ابن شنبوذ رأي باخباره سوى الاتهام بالقراءة المخالفة لمصحف عثمان وذكر ابن النديم شيئا مما قرأ به ابن شنبوذ قائلا: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله. وقرأ، وكان إمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا، وقرأ، كالصوف المنفوش. وقرأ، تبت يدا أبي لهب وقد تبّ ما أغنى وقرأ، اليوم ننجّيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية. وقرأ، فلما خرّ تبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب الأليم. وقرأ، والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلّى والذكر والأنثى. وقرأ، فقد كذب الكافرون فسوف يكون لزاما. وقرأ، الا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض. وقرأ، ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ناهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابهم أولئك هم المفلحون. والله أخرجكم من بطون أمهاتكم. ويقال إنه اعترف بذلك كله. ثم استتيب وأخذ خطّه بالتوبة، فكتب: يقول محمد بن أحمد بن أيوب قد كنت أقرأ حروفا تخالف مصحف عثمان (بن عفان) المجمع عليه والذي اتفق أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على قراءته ثم بان لي أن ذلك خطأ وأنا منه تائب وعنه مقلع وإلى الله جلّ اسمه منه بريء، إذ كان مصحف عثمان هو الحق الذي لا يجوز خلافه ولا يقرأ غيره. وله من الكتب كتاب ما خالف فيه ابن كثير أبا عمرو [الفهرست 50] .
وهذه الحروف لم تتجاوز العشرة وهي المروية في قراءة ابن مسعود وغيره وابن شنبوذ كما تنبئنا ترجمته لم يكن بالنكرة من القراء وكما يقول الذهبي (ت 748هـ) : «قد تهيأ له من لقاء الكبار ما لم يتهيأ لابن مجاهد» ويظهر أن ابن مجاهد لم يعبأ بعلم الرجل ولا بلقائه الكبار ولا لاختياراته.
ومما كتبه ابن شنبوذ على رواية ابن النديم يظهر أن الاتهام ضده خاصة بأنه كان يخالف مصحف عثمان وأنه يجوّز خلافه لم يكن أمرا خاصا به.
فإن هذه الموارد ليست إلا اختيارات شخصية كسائر القراء في عصره. ولم تكن معاملة ابن مجاهد إياه بحدود الأدب بل كان من منظار سياسي. وبالقضاء على شخصية ابن شنبوذ أخذت القراءات الأخرى بالأفول. ولكن، لم يعد ابن شنبوذ من مناصرين له في الفكر منهم محمد بن الحسن بن مقسم.