«لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» روى مسلم النيسابوري (ت 261هـ) في صحيحه: «حدّثني سويد بن سعيد حدّثنا علي بن مسهر عن داود عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه قال: بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرءوا القرآن فقال: انتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم وإنّا
كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني قد حفظت منها: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» . وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني حفظت منها: «يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة» . [صحيح مسلم 3/ 100] .
وروى الحاكم في المستدرك عن أبيّ بن كعب قال: قال لي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القراءة فقرأ: «لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين» لو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيته وإن سأل ثانيا فأعطيته وسأل ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيرا فلن يكفره».
وذكرها النوري بعنوان (سورة الحفظ) وقال: لو كان لابن آدم واديان من المال لابتغى واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب [فصل الخطاب 149] .
أقول: لم يذكر أحد هذه الجملة بعنوان سورة الحفظ سواه، وأظنه قد التبس عليه الأمر مع سورة الحفد الآتية ودعوى هذه الفقرة من القرآن غريب حقا إذ كيف تخفى على جمهور المسلمين سورة تكون من الطول كسورة براءة التي تبلغ عدد آياتها في المعروف اليوم 129آية؟!! وكيف لم يحفظها غير أبي موسى الأشعري من الصحابة على كثرتهم واهتمامهم؟ وكيف لم يحفظ أبو موسى الأشعري نفسه في هذه السورة الكبيرة سوى هذه الفقرة؟
والتأمل فيها يقتضي أنها ليست سوى حديث من أحاديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فيكون من التفسير بالمأثور والتبس عليه الأمر بين القرآن والحديث. وقد رويت كذلك عن طريق أهل البيت. قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى وراءهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب والله يتوب على من تاب» [راجع مجموعة ورام 1/ 163] .
ولعل لهذا السبب كان الشك المنسوب إلى ابن عباس كما رواه مسلم عن ابن جريح قال: سمعت عطاء يقول سمعت ابن عباس يقول سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: «لو أن لابن آدم ملء واد مالا لأحب أن يكون إليه مثله ولا يملأ نفس ابن آدم إلا التراب والله يتوب على من تاب. قال ابن عباس فلا أدري أمن القرآن هو أم لا؟ وفي رواية زهير قال فلا أدري أمن القرآن لم يذكر ابن عباس [صحيح مسلم 3/ 100] .