ونظرة خاطفة إلى هذه العناوين توقفنا على سوء الفهم للروايات التي دعت المؤلف إلى هذه الزلة الكبيرة. فإن القرآن الكريم لا يقاس بغيره من الكتب السماوية لأن القرآن معجزة الإسلام دون غيرها. ومن يقارن القرآن وغيره من الكتب يجد بوضوح الفرق الواضح
في الأسلوب والمواضيع والأهداف. وقد تقدم البحث عن اختلاف المصاحف وسيأتي البحث في القراءات. وليس له من حجة سوى الروايات وقد جعلها في طائفتين ما رويت من كتب السنة وما رويت من كتب الشيعة.
وقد وجد دعاة التفرقة والخلاف في هذا الكتاب وسيلة لتشهير كل طائفة بالأخرى بالتركيز على هذه الروايات وبما أن المؤلف محدث شيعي اتخذت الردود عليه صبغة طائفية وتعدت منطق العلم. فالأولى دراسة الروايات التي استند إليها هذا المحدث ومعرفة السبب في سوء الفهم منها.
قال النوري (ت 1320هـ) في الدليل الحادي عشر: «الأخبار الكثيرة المعتبرة الصريحة في وقوع السقط ودخول النقصان في الموجود من القرآن زيادة على ما مر متفرقا في ضمن الأدلة السابقة وأنه أقل من تمام ما نزل اعجازا على قلب سيد الإنس والجن من غير اختصاصها بآية أو سورة، وهي متفرقة في الكتب المعتبرة التي عليها المعول وإليها المرجع عند الأصحاب. جمعت ما عثرت عليها في هذا الباب بعون الله الملك الوهاب. [فصل الخطاب دليل 11] .
ولم يفهم النوري من هذه الروايات سوى التحريف، وهذا سوء فهم فإنها روايات خليطة من عدة طوائف في التفسير واختلاف القراءات وتعدد الآيات باختلافها وما يدل على النقص والتحريف وقد بحثت في خصوص موارد القراءة وقراءة أهل البيت عليهم السّلام كذلك مفهوم الآية والنقص في رسالة السراط الوضيء في قراءة أهل بيت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فليرجع إليها.
وقد صنف سيدنا الأستاذ دام ظله روايات التحريف إلى أربع طوائف وقد تقدمت وعقبها بقوله: «إن هذه الروايات لا دلالة فيها على وقوع التحريف في القرآن بالمعنى المتنازع فيه، وتوضيح ذلك: أن كثيرا من الروايات، وإن كانت ضعيفة السند، فإن جملة منها نقلت من كتاب أحمد بن محمد السياري، الذي اتفق علماء الرجال على فساد مذهبه، وأنه يقول بالتناسخ، ومن علي بن أحمد الكوفي الذي ذكر علماء الرجال أنه كذاب، وأنه فاسد المذهب إلا أن كثرة الروايات تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين ولا أقل من الاطمئنان بذلك، وفيها ما روي بطريق معتبر فلا حاجة بنا إلى التكلم في سند كل رواية بخصوصها [البيان 246] .
وقد دافع شيخنا العلامة (ت 1389هـ) عن شيخه النوري وحكى عنه قوله: «اخطأت في تسمية الكتاب وكان الأجدر أن يسمّى «فصل الخطاب في عدم تحريف الكتاب» لأني
أثبت فيه أن كتاب الإسلام القرآن الشريف الموجود بين الدفتين المنتشر في اقطار العالم وحي الهي بجميع سوره وآياته وجمله لم يطرأ عليه تغيير أو تبديل ولا زيادة ولا نقصان من لدن جمعه حتى اليوم وقد وصل إلينا المجموع الأولي بالتواتر القطعي ولا شك لأحد من الإمامية فيه هذا ما سمعناه من قول شيخنا نفسه وأما عمله فقد رأيناه وهو لا يقيم لما ورد في مضامين الأخبار وزنا بل يراها أخبار آحاد لا تثبت بها القرآنية بل يضرب بخصوصياتها عرض الجدار سيرة السلف الصالح من أكابر الإمامية كالسيد المرتضى والشيخ الطوسي وأمين الإسلام الطبرسي وغيرهم، ولم يكن العياذ بالله يلصق شيئا منها بكرامة القرآن وإن ألصق بذلك بكرامة شيخنا قدس سره من لم يطلع على مرامه». [النقباء 2/ 551] .