وضربا تعدّى ذلك، فسماه أهل زماننا شاذا، أي خارجا عن قراءة القراء السبعة المقدم
ذكرها، إلا أنه مع خروجه عنها نازع بالثقة إلى قرائه. محفوف بالروايات من أمامه وورائه، ولعله، أو كثيرا منه، مساو في الفصاحة للمجتمع عليه. نعم وربما كان فيه ما تلطف صنعته، وتعنف بغيره فصاحته، وتمطوه قوى أسبابه، وترسو به قدم إعرابه [المحتسب ص 320طبعة 1386هـ] .
وتطرف الشيخ محمد سعيد العريان حيث رأى وجود الشذوذ حتى في القراءات السبع وقال: «لا تخلو إحدى القراءات من شواذ فيها حتى السبع المشهورة فإن فيها من ذلك أشياء» .
وعندهم أن أصح القراءات من جهة توثيق سندها نافع وعاصم وأكثرها توخيا للوجوه التي هي أفصح أبو عمرو والكسائي. [اعجاز القرآن للرافعي الطبعة الرابعة ص 52] .
وإذا كانت مسألة التوخي للفصاحة تتبع الاجتهادات الخاصة في الأدب العربي إذا لأمكننا القول البات بأن من ذهب إلى أن قراءة الكسائي وأبي عمرو أفصح إنما استند اجتهاده الخاص في إفراد القراءات.
فيبقى امامنا الأصح سندا فقد عرفت أصحها عندهم قراءة عاصم (ت 128هـ) ونافع (ت 169هـ) وهذا ما يطابق عصر الإمامين الصادق (ت 148هـ) والكاظم (ت 183هـ) تقريبا.
وفصل القاضي في معنى الشذوذ بين الرواية والرسم وقال: ومن هنا يعلم أن الشاذ عند الجمهور ما لم يثبت بطريق التواتر، وعند مكي ومن وافقه ما خالف الرسم أو العربية ولو كان منقولا عن الثقات، أو ما وافق الرسم والعربية ونقله غير ثقة أو نقله ثقة ولكن لم يتلق بالقبول ولم يبلغ درجة الاستفاضة والشهرة. [القراءات الشاذة ص 7] .
ويصرح السيوطي (ت 991هـ) بأن أول من اهتم بالشواذ هو: (هارون) بن موسى القارئ الأعور النحوي الأزدي ولاء أبو موسى وقيل أبو عبد الله البصري صاحب القرآن والعربية وسمع من طاوس اليماني وثابت البناني قال الخطيب: كان يهوديا فأسلم وطلب القراءة فكان رأسا وضبط النحو وحفظه وحدث وهو أول من تتبع وجوه القرآن وألفها وتتبع الشاذ منها وبحث على إسناده وكان شديد القول بالقدر وثقه ابن معين وروى له البخاري ومسلم وناظر إنسانا يوما في شيء فغلبه فلم يدر المغلوب ما يصنع فقال له كنت يهوديا فأسلمت فقال له هارون فبئس ما صنعت فغلبه أيضا في هذا مات حدود السبعين ومائة [بغية الوعاة ص 406ط 1326] .
ومذهب الهذلي أن الشاذ ما يحتوي على ركنين، السند والرسم. قال ابن الجزري
(ت 833هـ) وقال أبو القاسم الهذلي في كامله: وليس لأحد أن يقول لا تكثروا من الروايات ويسمي ما لم يصل إليه من القراءات شاذا لأن ما من قراءة قرأت ولا رواية رويت إلا وهي صحيحة إذا وافقت رسم الإمام ولم تخالف الإجماع. [النشر 1/ 37] .