ويظهر من بعض الروايات أن المفهوم الاصطلاحي للآية لمي حدد في عصر
الصحابة. قال ابن عباس: «أرجى آية في القرآن: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنََّاسِ عَلى ََ ظُلْمِهِمْ}
[الرعد: 6] وهذا بعض الآية وليس كلها».
قال الزرقاني: «ثم خصت الآية في الاصطلاح بأنها طائفة ذات مطلع ومقطع متدرجة في سور القرآن» [مناهل العرفان 1، 332] .
فإن كان قصده (ره) المطلع والمقطع في المعنى فهذا يستلزم أن يكون كل آية مستقلة في المعنى من الآية الأخرى، أي أن تكون جملة تامة ذات معنى مستقل وهذا لا يستقيم في كل الآيات.
ويظهر مقياس الجملة التامة من كلام ابن عطية (ت 543هـ) بقوله: وأما الآية فهي العلامة في كلام العرب، ومنه قول الأسير الموصي إلى قومه باللغز: بآية ما أكلت معكم حيسا. فلما كانت الجملة التامة في القرآن علامة على صدق الآتي بها، وعلى عجز المتحدّي بها سميت آية. هذا قول بعضهم. وقيل: سميت آية لما كانت جملة وجماعة كلام، كما تقول العرب: جئنا بآيتنا، أي بجماعتنا [المقدمتان ص 284] .
وكلام ابن عطية لا يستقيم فإن في الآيات القرآنية ما تشتمل على الكلمة المفردة والجملة التامة والجملة الغير التامة فليس المقياس في الآية كونها جملة تامة.
ويرى ابن العربي وهو على حق في تحديد الآية أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ذكر أن الفاتحة سبع آيات وسورة الملك ثلاثون آية، وصحّ أنه قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران. قال: وتعديد الآي من مفصلات القرآن ومن آياته طويل وقصير، ومنه ما ينقطع، ومنه ما ينتهي إلى تمام الكلام، ومنه ما يكون في أثنائه، كقوله: «أنعمت عليهم» على مذهب أهل المدينة، فإنهم يعدّونها آية. وينبغي أن يعوّل في ذلك على فعل السلف [البرهان 1، 268] .
وهنا زاد السيوطي على قول ابن العربي: (وقال) غيره سبب اختلاف السلف في عدد الآي أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يقف على رءوس الآي للتوقيف فإذا علم محلها وصل للتمام فيحسب السامع حينئذ أنها ليست فاصلة.
فتحديد الآية بالجملة المفيدة يقتضي أن تكون الآيات ذات الاستثناء واحدة وليست كذلك في القرآن. مثلا في سورة البقرة الآيتان 159و 160تشكلان جملة واحدة مع أنهما آيتان. قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مََا أَنْزَلْنََا مِنَ الْبَيِّنََاتِ وَالْهُدى ََ مِنْ بَعْدِ مََا بَيَّنََّاهُ لِلنََّاسِ فِي الْكِتََابِ أُولََئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللََّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللََّاعِنُونَ} [البقرة: 159] إِلَّا الَّذِينَ تََابُوا وَأَصْلَحُوا
وَبَيَّنُوا فَأُولََئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوََّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: 160] . فهما آيتان من القرآن مع أن الجملة لا تتم إلا بعد الاستثناء.