فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 387

وأمر صلّى الله عليه وآله وسلّم بقتله ولو وجد تحت استار الكعبة فكيف يمكن التوفيق بين هذا التشديد الصارم من النبي للمحافظة على النص القرآني وهذا التساهل المروي في هذه الأحاديث

المنسوبة إلى النبي؟! مع أنها استخدمت نفس الألفاظ التي استعملها ابن أبي سرح المندس في صفوف المسلمين ويظهر أن أناسا دسوا ذلك للتشكيك في النص القرآني.

والرواية تؤكد على أن القراءة يجب أن يكون (بما علمتم) وهذا يعني أنه لا مجال للاجتهاد والتصرف بالنص حسب اللغات وهو نهي صريح عن النقل بالمعنى. ويفهم من هذا الجواب أن الخلاف حصل في النقل بالمعنى والنهي عنه في عصر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وأكد أن التعليم وحده لا يكون متعددا وإن اختلفت طرق التعليم وأن القرآن النازل على قلب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في العرضة الأخيرة كان واحدا ولم يكن قرآنا متعددا ولا يكون مادة التعليم سواه.

وهذا لا ينافي استعمال كلمات مرادفة كوسيلة لتعليم القرآن لكن لا كمواد أصيلة من القرآن.

وهذا الموقف الصارم من النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم تجاه عبد الله بن أبي سرح الذي غير كلمات من القرآن حيث أمر بقتله ولو كان متعلقا باستار الكعبة يكشف عن سهره صلّى الله عليه وآله وسلّم على سلامة النص القرآن كما تقتضيه مسئولية النبوة.

وهذا الموقف ينافي الرواية التي تسمح بهذا النحو من التغيير والتبديل في النص كما في رواية الطبري (ت 310هـ) عن ابن شهاب، قال: «أخبرني سعيد بن المسيب أن الذي ذكر الله تعالى ذكره (أنه قال) : {إِنَّمََا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} [النحل: 103] إنما افتتن أنه كان يكتب الوحي، فكان يملي عليه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «سميع عليم» ، أو «عزيز حكيم» ، أو غير ذلك من خواتم الآي، ثم يشتغل عنه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو على الوحي، فيستفهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فيقول: «أعزيز حكيم» ، أو «سميع عليم» أو «عزيز عليم» ؟ فيقول له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أيّ ذلك كتبت فهو كذلك» . ففتنه ذلك، فقال: إنّ محمدا وكل ذلك إليّ، فأكتب ما شئت.

وهو الذي ذكر لي سعيد بن المسيب من الحروف السبعة [تفسير الطبري 1/ 46] .

فهذه الرواية تجيز ما منع عنه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وتسمح ما أمر النبي أن يقتل من فعله وهذا تناقض إذ كيف يأمر بقتل من يفعل ذلك ويجيز ذلك للآخرين؟ ومن هنا نعرف أن الأمر بجواز القراءة إنما كان فيما إذا كان النص المكتوب محفوظا وأن القراءة المتغايرة مع النص المكتوب لم تضر بالمعنى وهذه حالة خاصة في الصلاة ولم يكن إذنا عاما.

ومن هنا قال الإمام النووي (ت 676هـ) : «وقول من قال المراد خواتم الآي فيجعل مكان «غفور رحيم» ، «سميع بصير» فاسد أيضا للإجماع على منع تغيير القرآن للناس» [شرح صحيح مسلم 6، 102] .

وأغرب من ذلك ما ذهب إليه ابن عبد البر النمري (ت 463هـ) في توجيه هذه

الأحاديث بقوله: «إنما أريد بهذا ضرب المثل للحروف التي نزل القرآن عليها أنها معان متفق مفهومها مختلف مسموعها» [البرهان 1/ 221] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت