وقد يقع مثل هذا التعميم في اطلاق الاستعارة على هذه الصورة في بعض عبارات المتخصصين من البلاغيين كالآمدى، ولكن هذا لا يكون عند ذكر القوانين وحيث تقرر الأصول [218] وكأن الفصل بين صور المجاز المرسل والاستعارة وتخصيص الثانى بما تكون علاقته المشابهة أمر تعرفه الدراسة البلاغية المتخصصة قبل الجرجانى.
والواقع أن الجرجانى كان منصفا فلم يدع أنه أول من ميز بين هذه الصور، وقد ذكر الآمدى صورا من المجاز المرسل ولم يسمها استعارة، يقول حاكيا رد أصحاب البحترى على من عابوه في قوله:
ضحكات في أثرهنّ العطايا ... وبروق السّحاب قبل رعوده
فأما قوله: «وبروق السحاب قبل رعوده» فانه أقام الرعد مقام الغيث لأنه مقدمة له وعلم من أعلامه ودليل من أقوى دلائله، ألا ترى أن برق الخلب لا رعد له واذا كان البرق ذا رعد فقلما يخلف، ومثل هذا في كلام العرب مما ينوب فيه الشيء إذا كان متصلا به أو سببا من أسبابه أو مجاورا له كثير، فمن ذلك قولهم للمطر:
سماء، ومنه قولهم: وما زلنا نطأ السماء، حتى أتيناكم. قال الشاعر:
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
يريد: إذا سقط المطر رعيناه يريد النبت الذى يكون عنه، ولهذا سمى النبت «ندى» لأنه عن الندى يكون، وقالوا: ما به طرق، أى ما به قوة، والطرق الشحم فوضعوه موضع القوة، لأن القوة عنه تكون وقولهم للمزادة: راوية، وانما الرواية البعير الذى يسقى عليه الماء، فسمى الوعاء الذى يحمله باسمه، ومن ذلك: الحفض متاع البيت، فسمى البعير الذى يحمله حفضا، وهذا باب واسع وأيسر من أن يحتاج إلى استقصائه» [219]
(218) أسرار البلاغة ص 312.
(219) الموازنة ص 33، 34.