وليس لابن الأثير في دراسة حروف الجر جهد الا الشرح والاستنباط من كلام الزمخشرى.
يقول ابن الأثير: «وأما حروف الجر فان الصواب يشذ عن وضعها في مواضعها، وقد علم أن «فى» للوعاء. و «على» للاستعلاء كقولهم:
زيد في الدار وعمرو على الفرس، لكن إذا أريد استعمال ذلك في غير هذين الموضعين مما يشكل استعماله عدل فيه عن الأولى، فمما ورد منه قوله تعالى: { «قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، قُلِ اللَّهُ، وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ» } [87] ألا ترى إلى بداعة هذا المعنى المقصود لمخالفة حرفى الجر هاهنا، فانه انما خولف بينهما في الدخول على الحق والباطل لأن صاحب الحق كأنه مستعمل على فرس جواد يركض به حيث شاء، وصاحب الباطل كأنه منغمس في ظلام منخفض فيه لا يدرى أين يتوجه، وهذا معنى دقيق قلما يراعى مثله في الكلام ومن هذا النوع قوله تعالى: { «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ» } [88] فانه انما عدل عن اللام إلى «فى» في الثلاثة الأخيرة للايذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره باللام لأن «فى» للوعاء فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات كما يوضع الشيء في الوعاء وأن يجعلوا مظنة لها وذلك لما في فك الرقاب وفى الغرم من التخلص، وتكرير «فى» في قوله: { «وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ» } دليل على ترجيحه على الرقاب وعلى الغارمين وهذه لطائف ودقائق لا توجد الا في هذا الكلام الشريف فاعرفها وقس عليها» [89]
وهذا أهم ما ذكره في هذا النوع وهو مأخوذ من الكشاف [90] .
(87) سبأ: 24
(88) التوبة: 60
(89) المثل السائر ج 2ص 240، 241، 242
(90) وينظر الكشاف ج 3ص 459، ج 2ص 222