وقد أشرت في دراسة النفى إلى أن الزمخشرى ذكر هذه الطريقة في قوله تعالى: { «لَا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا» } [95] . ووضحها وبين قيمتها في قوله تعالى: { «مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ» } [96] .
وقد اقتصر ابن الأثير على بيان هذه الطريقة فقط ولم يتعرض لسرها البلاغى. يقول الزمخشرى في بيان قيمتها البلاغية: «يحتمل أن يتناول النفى الشفاعة والطاعة معا، وأن يتناول الطاعة دون الشفاعة، كما تقول: ما عندى كتاب يباع، فهو محتمل نفى البيع وحده، وأن عندك كتابا الا أنك لا تبيعه، ونفيهما جميعا، وأنه لا كتاب عندك ولا كونه مبيعا ونحوه: «ولا نرى الضّبّ بها ينجحر»
يريد نفى الضب وانجحاره فان قلت: الغرض حاصل بذكر الشفيع ونفيه فما الفائدة في ذكر هذه الصفة ونفيها؟ قلت: في ذكرها فائدة جليلة وهى أنها ضمت اليه ليقام انتفاء الموصوف مقام الشاهد على انتفاء الصفة لأن الصفة لا تتأتى بدون موصوفها فيكون ذلك ازالة لتوهم وجود الموصوف، بيانه أنك إذا عوتبت على القعود عن الغزو فقلت: ما لى فرس أركبه ولا معى سلاح أحارب به، فقد جعلت عدم الفرس وفقد السلاح علة مانعة عن الركوب والمحاربة، كأنك تقول: كيف يتأتى منى الركوب والمحاربة ولا فرس لى ولا سلاح معى، فكذلك قوله:
{ «وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ» } معناه كيف يتأتى التشفيع ولا شفيع فكان ذكر الشفيع والاستشهاد على عدم تأتيه بعدم الشفيع وضعا لانتفاء الشفيع موضع الأمر المعروف غير المنكر الذى لا ينبغى أن يتوهم خلافه» [97] .
يقول ابن الأثير: ان باب الاستدراج إذا حقق النظر فيه علم أن مدار البلاغة كلها عليه لأنه لا انتفاع بايراد الألفاظ المليحة الرائعة
(95) البقرة: 273
(96) غافر: 18
(97) الكشاف ج 4ص 122، 123