الفصل الثّانى النظم في الكشاف
تحديد المراد بالنظم وبيان موضوعه:
أريد أن أحدد في هذا الفصل مفهوم النظم وبيان موضوعه كما يصوره كتاب الكشاف والى أى مدى يتصل هذا المفهوم بمفهوم علمى المعانى والبيان وعلم الاعراب. ولهذا الغرض تتبعت كلمة النظم في تفسير الكشاف وكلمة علم المعانى وعلم البيان، ثم أخذت في درسها ومناقشتها ولم يكن من الخير في بحثى هذا أن أذكر النتائج فحسب، وانما الخير في عرض هذه المجالات التى ذكرت فيها هذه المصطلحات لأنها ليست واضحة في موضع معين في كتابه فيسهل تصورها وانما هى مبثوثة هنا وهناك، وعلينا أن نذكر دائما أن الزمخشرى يتكلم في التفسير فليس من عمله تحديد المصطلح العلمى وتحريره. وهذا لون من الصعوبة، قد واجهنا في تحديد هذه المفاهيم، ولكن الاستقصاء الكامل والمتابعة الدقيقة قد تعيننا على هذه الصعوبة.
وواضح كما بينت أن نظم القرآن قد شغل الدارسين قبل الزمخشرى وأن كتبا تحمل هذه الترجمة قد ظهرت من القرن الثالث، وأن النظم قد تواردت عليه مفاهيم مختلفة في البيئات الفكرية المختلفة، فالنظم له مفهوم عند القاضى عبد الجبار وله مفهوم عند على بن عيسى الرمانى وله مفهوم عند القاضى الباقلانى.
ثم ان الامام عبد القاهر بسط درسه بسطا علميا دقيقا وقد بينت أنه أفاد كثيرا من جهود العلماء قبله وأنه نظر إلى كلام الخطابى الذى يقول فيه: «وانما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة لفظ حامل ومعنى قائم ورباط لها ناظم، واذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه فى
غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشد تلازما وتشاكلا من نظمه» (1) .