درس عبد القاهر التقديم في صورة الاثبات، وفى صورة النفى، وفى صورة الاستفهام، وبين أنه يكون لفائدة في كل حال. لأنه من الخطأ أن يقسم الأمر في تقديم الشيء وتأخيره قسمين: فيجعل مفيدا في بعض الكلام وغير مفيد في بعض [16] .
وكان عبد القاهر باحثا دقيق النظر، فقد كان أول من يعرض لنا صورا من التقديم مشيرا إلى عدم جوازها لأنها تنطوى على تناقض في دلالات الخصائص وان أجازها النحاة.
يقول في هذا: «ومما يعلم به ضرورة، أنه لا تكون البداية بالفعل كالبداية بالاسم، أنك تقول: أقلت شعرا قط؟ أرأيت اليوم انسانا؟، فيكون كلاما مستقيما، ولو قلت: أأنت قلت شعرا قط؟، أأنت رأيت انسانا؟
أخطأت. وذلك أنه لا معنى للسؤال عن الفاعل من هو في مثل هذا، لأن ذلك انما يتصور إذا كانت الإشارة إلى فعل مخصوص نحو أن تقول: من قال هذا الشعر؟ ومن بنى هذه الدار؟ ومن أتاك اليوم؟
ومن أذن لك في الذى فعلت؟ وما أشبه ذلك مما يمكن أن ينص فيه على معين. فأما قيل شعر على الجملة ورؤية انسان على الاطلاق فمحال ذلك فيه، لأنه ليس مما يختص بهذا دون ذاك حتى يسأل عن عين فاعله» [17]
(انتهى كلام الشيخ) فأنت إذا قلت: أأنت رأيت انسانا؟ كنت تسأل عن فاعل فعل لا يصح تحديد فاعله لعمومه وهو رؤية انسان على الجملة، وكذلك إذا قلت: أأنت قلت شعرا قط؟ كنت تسأل عن فاعل فعل لا يصح تحديد فاعله لعمومه وهو قول شعر أى شعر، وهذا النوع من الأفعال العامة لا يسأل عن عين فاعله، ولو أردت أن تتبين هل قال المسئول شعرا أى شعر؟ فالعبارة عن ذلك أن تقول: أقلت شعرا؟، فتسأل عن الفعل، لأنك إذا سألت عن الفاعل فأنت لا تشك في وقوع الفعل ولكنك تشك في تعيين فاعله، وقول شعر على الجملة لا يمكن تعيين فاعله، هذا ما أفهمه من كلام عبد القاهر.
(16) ينظر دلائل الاعجاز ص 76
(17) دلائل الاعجاز ص 77