وقد ظن الأستاذ الدكتور شوقى ضيف أنه لا يجوز أن نقول: أأنت قلت شعرا قط؟ لأنه أى المتكلم جمع في كلامه بين اثبات الفعل والشك في حدوثه، اذ السؤال مسلط على الشخص لا على فعله فكان ينبغى ألا يضيف كلمة «قط» [18] .
وكأن المتكلم لو قال: أأنت قلت شعرا؟ دون اضافة كلمة «قط» لصح الأسلوب. وليس هذا مراد عبد القاهر وانما مراده ما ذكرناه بدليل أنه جعل من الخطأ أن نقول: أأنت رأيت انسانا؟ وليس فيه كلمة «قط» .
واقرأ قول عبد القاهر: فأما قيل شعر على الجملة، وما بعده يظهر لك مراده.
وهناك صور كثيرة رفضها عبد القاهر وبين ما تنطوى عليه من تناقض وقد عارضه في بعضها العلامة سعد الدين التفتازانى وجوزها في مقامات معينة، فقد منع عبد القاهر أن يقال: ما أنا قلت هذا ولا غيرى، لما قدمناه من التناقض في معانى خصائص تركيب الجملة وبيان ذلك أنك حين قدمت المسند اليه مسبوقا بالنفى دل ذلك على نفى الفعل عنك خصوصا أى عن الفاعل خصوصا والفعل في نفسه ثابت لغير هذا الفاعل، وقولك «ولا غيرى» نفى لوقوع الفعل وهذا تناقض، وأجازه سعد الدين إذا قامت قرينة على أن التقديم لغرض آخر غير التخصيص، كما إذا ظن المخاطب بك ظنين فاسدين أحدهما أنك قلت هذا القول، والثانى أنك تعتقد أن قائله غيرك، فيقول لك: أنت قلت لا غيرك، فتقول له: ما أنا قلته ولا أحد غيرى، قصدا إلى انكار نفس الفعل، فتقدم المسند اليه ليطابق كلامه، وهذا انما يكون فيما يمكن انكاره كما في هذا المثال، بخلاف قولك: ما أنا بنيت هذه الدار ولا غيرى، فانه لا يصح [19] .
ولكى ندرك في ايجاز أثر عبد القاهر في بحث التقديم نعرض قدرا من الشواهد التى ساقها في هذا البحث، وحللها، وبين سر
(18) البلاغة تطور وتاريخ ص 173
(19) المطول ص 19