وتفويت للحياة وقد جعل مكانا وظرفا للحياة» فقوله: كلام فصيح، معناه: كلام بليغ وكلام حسن. فاذا خرجت الفصاحة في كلامه عن هذا المدلول، أعنى وصف الكلام بالبلاغة والحسن إلى وصف المفرد نبه إلى هذا كما نجده في قوله تعالى: { «لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ» } [60] أى لا يكسبكم شقاقى اصابة العذاب، وقرأ ابن كثير بضم الياء من أجرمته ذنبا إذا جعلته جارما له أى كاسبا منقول من جرم المتعدى إلى مفعول واحد، والقراءتان مستويتان في المعنى لا تفاوت بينهما الا أن المشهورة أفصح لفظا كما أن «كسبته مالا» أفصح من «أكسبته» ، والمراد بالفصاحة أنه على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم أدور، وهم له أكثر استعمالا [61] .
وبهذا تتلاقى مفاهيم الفصاحة والبلاغة والنظم وعلم المعانى وعلم البيان مع مراعاة ما أشرنا اليه. ثم أن الزمخشرى الذى درس النظم في كتب من سبقه واستوعبه بل وتمثله من كتابة عبد القاهر وأثراه وأضاف اليه، لم يكن يغفل الفرق الواضح بين علم النظم وعلم الاعراب فهو يقول: ان النحوى وان كان أنحى من سيبويه لا يصل إلى غرائب النكت ومستودعات الأسرار في كتاب الله الا إذا برع في علمين مختصين بالقرآن وهما علم المعانى وعلم البيان [62] وهذا قول قاطع بالفرق بين علم النحو وعلم المعانى وان كان نحو سيبويه الذى مازجته كثير من فنون البلاغة، وقد كان في تطبيقاته لمعارفه النحوية والبلاغية حريصا على ميز العلمين.
فقد تتخلف القاعدة النحوية المستقلة ولا تنهض باعراب القرآن لأن بعض وجوه الاعراب الجائزة قد تؤدى إلى افساد النظم، والنظم هو ميزة هذا الكلام المعجز وهو هاد يقود النحو ويرشده ويحدد له وجها من الاعراب دون وجه، يقول في قوله تعالى: {«إِذْ أَوْحَيْنَا إِلى أُمِّكَ}
(60) هود: 89
(61) الكشاف ج 9ص 330329
(62) الكشاف: المقدمة ج 1ص (ك) .