وحين تكلم الزمخشرى في المفردات القرآنية كما بينا لم يتناولها تناولا دراسيا ينظر فيه إلى حروفها، ومخارجها، ولا إلى غرابتها،
والفها، وانما كان ينظر إلى ملاءمتها لموقعها، واصابتها في هذا الموقع، وهذه نظرة لا تجدى فيها ولا تعين عليها الدراسة النظرية، وانما تكتسب بالنظر في النص والتبصر في كلماته.
والمهم أن جزءا كبيرا من دراسة العلوى في كتابه سواء في ذلك الجزء المتضمن لأسرار البلاغة، والجزء المتضمن لعلوم حقائق الاعجاز، لا يتصل بالبحث البلاغى في الكشاف، بمعنى أنه لا يعين الطالب على فهمه وتبصره، على أن جزءا مهما في هذا الكتاب كان كأنه تلخيص ميسر لمسائل هذا الفن، وفيه يظهر العلوى وكأنه معلم يجمع لطلابه أقوال العلماء في المسألة الواحدة ثم يعرضها ويناقشها. وهذه الأبواب تعين الطالب على فهم بلاغة الكشاف، بمقدار ما تعين الكتب المدرسية طلاب العلم في عصرنا على قراءته، أما أن تدفع بهم إلى اكتناه أسرار هذا الكتاب، والوقوف على أغواره، فذلك ما لا تجده.
وفى الطراز كثير من المباحث البلاغية التى ترجع إلى الكشاف، وقد أخذها العلوى من ابن الأثير، وكل هذه المباحث لها أهميتها الكبيرة في تيسير فهم بلاغة الكشاف، لأن ابن الأثير نظر في الكشاف، واستخرج منه فنونا بلاغية، وحاول أن يشرحها، وأن يبين قيمتها البلاغية، كما فعل في الاستدراج، والتفسير بعد الابهام، وعكس الظاهر، والالتفات، وهذه الفنون وما شاكلها في كتاب الطراز هى أهم ما فيه بالنسبة إلى الغرض الذى من أجله أملى العلوى هذا الكتاب.
واذا كان له فضل في هذا فانه محدود باختياره لها، وتقديمها إلى طلابه، أما تبويبها فذلك فضل يرجع إلى ابن الأثير، وأما استنباطها من النص القرآنى فذلك فضل ينسب إلى الزمخشرى.
وقبل أن أعرض إلى هذه الفنون أقول: ان العلوى يحاول أن يخفى ما يأخذ فهو لا ينسبه إلى صاحبه، ومثله في هذا مثل من أخذ منه وهو ابن الأثير، فانه سكت عن صاحب الفكرة وعرضها وكأنها له، ولكنه يختلف عن ابن الأثير في أنه يحاول دائما تغيير العبارة ويجتهد
فى ذلك، وابن الأثير قلما حاول هذا، ومثل العلوى في ذلك أبو يعقوب السكاكى الذى يصوغ ما أخذه من غيره في عبارته وكأن ذلك من بنات أفكاره كما قلنا.