ويحدثنا الزمخشرى عن أثر التشبيه في تصوير المعانى، وتشخيصها وسوقها في سياق من صنعة الأسلوب تكشفها وتحققها، وهو في هذا عالم بصير بأحوال الأساليب، وقيمة فعلها في نفس متلقيها وهذا هو جوهر معرفة أقدار الكلام، يقول في هذا: «ولضرب العرب الأمثال، واستحضار العلماء المثل والنظائر، شأن ليس بالخفى في ابراز خبيات المعانى، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامع الأبى، ولأمر ما أكثر الله في كتابه المبين، وفى سائر كتبه أمثاله، وفشت في كلام رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وكلام الأنبياء، والحكماء، قال الله تعالى: {«وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ» } [20] ومن سور الانجيل سورة الأمثال، والمثل في أصل كلامهم بمعنى المثل وهو النظير. يقال: مثل ومثل ومثيل كشبه، وشبه، وشبيه، ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده:
مثل، ولم يضربوا مثلا ولا رأوه أهلا للتسيير ولا جديرا بالتداول، والقبول الا قولا فيه غرابة من بعض الوجوه، ومن ثم حوفظ عليه وحمى من التغيير» [21] .
وهذا الكلام له صلة ظاهرة بما ذكره عبد القاهر في تأثير التمثيل وأسبابه ثم انك ترى الزمخشرى فيه قد قرأ التوراة وفطن إلى أسلوبه كما ألم بسائر كتب الله وكلام الأنبياء والحكماء. وهذا سبيل العلماء.
ويقول: «والتشبيهات انما هى الطرق إلى المعانى المحتجبة في الأشياء حتى تبرزها وتكشف عنها، وتصورها للأفهام» [22] .
(20) العنكبوت: 43
(21) الكشاف ج 1ص 54.
(22) الكشاف ج 3ص 358.