التصرف قيمة. والسكاكى له رأى عجيب، يذكر في هذا الصدد، وهو أنه يستمد قيمة الخصائص البلاغية في الأسلوب من قيمة قائلها، لذلك لا يعتد بخواص التراكيب الا إذا كانت قد صدرت من بليغ، فهو لا ينظر للخصوصية من حيث هى، وانما يعنى بالصنعة المقصودة والاحتفال المتعمد من القائل، فلو صدرت التراكيب البليغة من غير بليغ سقطت قيمتها وليس من حقك أن تعجب بالنص قبل أن تعرف قدر قائله.
يقول في شرحه لتعريف علم المعانى: «وأعنى بخاصية التراكيب ما سبق منه إلى الفهم عند سماع ذلك التركيب جاريا مجرى اللازم له لكونه صادرا عن البليغ، لا لنفس ذلك التركيب من حيث هو» [5] .
وقد أفاد السكاكى من الكشاف في بعض الصور التى ذكرها أحوالا للمسند اليه، أو المسند، يقول في الحال المقتضى كون المسند جملة فعلية، أو اسمية، بعد ما بيّن دلالة الفعلية على التجدد والاسمية على الثبوت: «وما نسمع من تفاوت الجملتين الفعلية والاسمية تجددا وثبوتا هو يطلعك على أنه حين ادعى المنافقون الايمان بقولهم: {«آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ» } [6] ، جائين به جملة فعلية، معنى: أحدثنا الدخول في الايمان وأعرضنا عن الكفر ليروج ذلك عنهم، كيف طبق المفصل في رد دعواهم الكاذبة قوله تعالى: { «وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ» } [7] حيث جىء به جملة اسمية ومع الباء وعلى تفاوت كلام المنافقين مع المؤمنين، ومع شياطينهم، فيما يحكيه جل وعلا عنهم وهو: { «وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ» } [8]
تفاوتا إلى جملة فعلية، وهى { «آمَنَّا» } ، والى اسمية ومع { «إِنَّ» } وهى { «إِنَّا مَعَكُمْ» } كيف أصاب شاكلة الرمى» [9] .
(5) المفتاح ص 86
(6) البقرة: 8
(7) البقرة: 8
(8) البقرة: 14
(9) المفتاح ص 117