بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد النبى الأمى، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد
فمن الواضح أن بلاغة الكشاف كانت نهاية مرحلة متميزة في الدراسة البلاغية. اذ هى الامتداد الحق لدراسة عبد القاهر الجرجانى، هذه الدراسة التى يشعرنا فيها صاحبها أنه ينشئ القول انشاء، أو يبسط فكرة غائمة في دراسة من سبقه، وهو يحاول أن يمكن ما يقول في نفوس معاصريه، وأن ينقشه في صدورهم، ويبثه في سويداء قلوبهم، ولكنهم في كثير من الأحيان تسدر عيونهم، وتضل عنهم أفهامهم، ولا ينفكون من اعتراض خواطر تعود بهم إلى رأس أمرهم فينكرون ما يقول.
وهذا يعنى أن هذا الاتجاه كان في حاجة إلى كثير من الحواريين ينهضون لتثبيته وتمكينه واتمامه حتى يكتمل بناء متناسقا يمهد سابقه للاحقه. ولكن القدر لم يهيئ لهذا العالم السنى الا فتى من فتيان المعتزلة، أنبتته أرضه فهضم تراثه، وارتضى منهجه، ونسج على منواله، وأضاف لبنات في هذا البناء لا تختلف في نسقها ونوعها عما بدأه الأستاذ. ولو قدر لهذا الاتجاه أن تتواصل حلقاته لكان بين أيدينا منه الخير الكثير.
واذا كان الزمخشرى قد طبق كثيرا مما قرره عبد القاهر الجرجانى فقد أضاف أصولا بلاغية هامة لم يعرض لها عبد القاهر ونمى كثيرا من الأصول السابقة، وحرر كثيرا من المسائل.