التورية في تفسيره الا هذه الإشارة الغامضة، وهذا راجع إلى أن هذا اللون البديعى لم يكثر في القرآن الذى جرى أسلوبه على أعراق البلاغة الأصيلة، متسما بوضوح الفطرة الانسانية الصادقة، ولهذا كانت شواهد الخطيب القرآنية في هذا اللون غير مسلمة له، اذ أنه ذكر قوله تعالى:
{ «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى» } [63] ، { «وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ» } [64] ، وهذه من صور البيان، وقد كره عبد القاهر أن تفسر اليد هنا بالقدرة، ولهذا قال سعد الدين: «ان الخطيب جرى في هذا على مذهب أهل الظاهر من المفسرين، وهذا يعنى أنه خالف شيوخ البيان حين اعتبر هذه الأمثلة من التورية» [65] .
والمقابلة قد تكون بين لفظين متقابلين، كما في قوله تعالى:
{ «وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ، وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ» } [66] يقول الزمخشرى: «ولقد تقابل الاستبشار والاشمئزاز اذ كل واحد منهما غاية في بابه لأن الاستبشار أن يمتلئ قلبه سرورا حتى تنبسط له بشرة وجهه ويتهلل، والاشمئزاز أن يمتلئ غما وغيظا حتى يظهر الانقباض في أديم وجهه» (الكشاف ج 4ص 102) .
وقد تكون المقابلة بمعنى الموافقة في نظم الجمل، يقول في قوله تعالى: { «اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا» } [67] :
«فان قلت: لم قرن الليل بالمفعول له والنهار بالحال، وهلا كانا حالين، أو مفعولا لهما، فيراعى حق المقابل؟ قلت: هما متقابلان من حيث
(63) طه: 5
(64) الذاريات: 47
(65) ينظر المطول ص 425، 426وبغية الايضاح ج 4ص 29، 30
(66) الزمر: 45
(67) غافر: 61