تقرير لما ادعيته للسانه وتثبيت لأن محل المضاء هو لا غير، وكأنك قلت: ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك فلتة، ولا سهوا، ولكن تعمدت به اياه تعمدا» [454]
وقد يكون القيد لاثارة النفس وبعثها على الطاعة والانقياد، كما في قوله تعالى: { «وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ» } [455]
يقول: «فان قلت: هلا قيل يتربصن ثلاثة قروء كما قيل تربص أربعة أشهر، وما معنى ذكر الأنفس؟ قلت: في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص، وزيادة بعث، لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص» [456]
ويعنينى في بحث التوكيد أن أبين أمرين:
الأول دواعى التوكيد وأغراضه. والثانى عناصر التوكيد وأدواته.
أما الأمر الأول فقد ضاق صدرى بحديث المتأخرين حينما أداروه حول مواجهة انكار المخاطب التحقيقى أو الاعتبارى، وكأن جواب أبى العباس المبرد على سؤال الكندى المتفلسف كان محيطا بدواعى التوكيد وأسراره في هذه اللغة فجاء كلامهم ترديدا أو شرحا لهذا الجواب. وهذا قصور كثير في فهم هذه الخصوصية التى هى من أدق الخصائص البلاغية وأكثرها صلة بالحس والشعور. وأكثرها شيوعا في الكلام كله.
وقد ذكر الزمخشرى دواعى كثيرة للتوكيد تجاوزت هذا الأفق الذى حددته اجابة أبى العباس المبرد، منها: أن التوكيد قد يكون لتقرير المعنى في نفس المخاطب وتثبيته وان كانت خالية من كل أثر للانكار
(454) الكشاف ج 3ص 128.
(455) البقرة: 228
(456) الكشاف ج 1ص 206.