فهرس الكتاب

الصفحة 577 من 744

تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وأن الكلام الذى يتأتى فيه هذا الفن تأتيا طيعا يتلاحق، لم تر كلاما أحسن منه ديباجة وأكثر ماء ورونقا.

فاذا كانت الاستعارة مظهرا من مظاهر الاعجاز البيانى أو سرا من أسرار البلاغة، فهل يمكن القول بأن الترشيح وهو ماؤها ورونقها ليس مظهرا من مظاهر الاعجاز، وليس سرا من أسرار البلاغة، وانما هو ذيل للبلاغة في مفهوم الزمخشرى؟

أما الألوان التى ذكرها الزمخشرى مما جعله المتأخرون من علم البديع والتى نرى حديثه فيها أصدق دليل على ما أقوله في فهم مذهبه في البديع فهى:

1 -المشاكلة:

ويسميها المقابلة أحيانا، وهو يعنى بالمقابلة معناها اللغوى.

يقول في قوله تعالى: { «إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا» } [12] :

«ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة، فقالوا: أما يستحى رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت؟ مجاز على سبيل المقابلة واطباق الجواب على السؤال، وهو فن من كلامهم بديع وطراز عجيب منه قول أبى تمام:

من مبلغ أفناء يعرب كلّها ... أنّى بنيت الجار قبل المنزل

وشهد رجل عند شريح فقال: انك لسبط الشهادة، فقال: انها لم تجعد عنى، فقال: لله بلادك، وقبل شهادته، فالذى سوغ بناء الجار وتجعيد الشهادة هو مراعاة المشاكلة، ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار.

ولولا سبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها، ولله در أمر التنزيل واحاطته بفنون البلاغة وشعبها، لا تكاد تستغرب منها فنا الا عثرت عليه فيه على أقوم مناهجه وأسد مدارجه» [13] .

(12) البقرة: 26

(13) الكشاف ج 1ص 85

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت