والمشاكلة في قول تعالى: { «إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي» } وفى قول أبى تمام: ذكر الشيء بلفظ غيره المقدر ذكره، لأن قولهم: أما يستحى رب محمد؟ غير مذكور في الكلام، وكذلك بناء المنزل اذ التقدير:
أنى بنيت الجار قبل بناء المنزل، وقول الشاهد: انها لم تجعد عنى، فيه مشاكلة بذكر ضد اللفظ المذكور، لأن التجعيد هنا معناه امتناع الشهادة وتأبيها عليه. وصح ذلك لأن القاضى ذكر السبوطة في ضد ذلك، فشاكل الشاهد بذكر ضد ما ذكر القاضى. وهذا الذى ذكره الزمخشرى يكاد يكون بلفظه في الايضاح [14] .
ويقول الزمخشرى في قوله تعالى: { «صِبْغَةَ اللَّهِ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً» } [15] : «وهى فعلة من «صبغ» كالجلسة من «جلس» ، وهى الحالة التى يقع عليها الصبغ، والمعنى تطهير الله. لأن الايمان يطهر النفوس، والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية، ويقولون: هو تطهير لهم، واذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قالوا: الآن صار نصرانيا حقا، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم: قولوا آمنا بالله وصبغنا الله بالايمان صبغة لا مثل صبغتنا، وطهرنا به تطهيرا لا مثل تطهيرنا، أو يقول المسلمون: صبغنا الله بالايمان صبغة، ولم نصبغ صبغتكم، وانما جىء بلفظ «الصبغة» على طريقة المشاكلة كما يقول لمن يغرس الأشجار: اغرس كما يغرس فلان، تريد رجلا يصطنع الكرام» [16] .
والمشاكلة هنا بين قول وفعل لأن الغرس لم يجر ذكره تحقيقا ولا تقديرا كما في الأمثلة الأخرى [17] . وقد نقل الخطيب هذا النص وجعله من القسم الثانى من المشاكلة وهو ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تقديرا، لأن لفظ «الصبغ» لم يقع من النصارى [18] .
(14) تنظر بغية الايضاح ج 4ص 23
(15) البقرة: 138
(16) الكشاف ج 1ص 147
(17) تنظر حاشية الشهاب ج 2ص 248
(18) بغية الايضاح ج 4ص 24