وهذا مأخوذ من الكشاف وقد أثبتناه في دراسة المفرد.
ويستمد ابن الأثير دراسته في هذا الموضوع من تحليلات الكشاف كما فعل في دراسة الالتفات ولا تجد له زيادة كبيرة، ومن الواضح أنه أضاف ترجمة هذا الموضوع وجمع مثله وشواهده من الكشاف، وأضاف اضافات جاءت على نسقها وكأنها زيادة في الأمثلة.
يقول في جماع أمر التوكيد: «اذا كان المعنى المقصود معلوما ثابتا في النفوس فأنت بالخيار في توكيد أحد الضميرين فيه بالآخر، واذا كان غير معلوم وهو مما يشك فيه فالأولى حينئذ أن يؤكد أحد الضميرين بالآخر في الدلالة عليه لتقرره وتثبته، فمما جاء من ذلك قوله تعالى: {«قَالُوا يَا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ» } [32] فان إرادة السحرة الالقاء قبل موسى لم تكن معلومة عنده لأنهم لم يصرحوا بما في أنفسهم من ذلك، لكنهم لما عدلوا عن مقابلة خطابهم موسى بمثله إلى توكيد ما هو لهم بالضميرين اللذين هما «نكون» و «نحن» دل ذلك على أنهم يريدون التقدم عليه والالقاء قبله، لأن من شأن مقابلة خطابهم موسى بمثله أن كانوا قالوا: { «إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ» } ، و «اما أن نلقى» ، لتكون الجملتان متقابلتين فحيث قالوا عن أنفسهم: { «وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ» } استدل بهذا القول على رغبتهم في الالقاء قبله» [33] .
وهذا شرح لقول الزمخشرى في الآية: «وقولهم: {«وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ» } فيه ما يدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل، وتعريف الخبر، أو تعريف الخبر واقحام الفصل، وقد سوّغ لهم موسى ما تراغبوا فيه ازدراء لشأنهم» [34] .
(32) الأعراف: 115
(33) المثل السائر ج 2ص 192
(34) الكشاف ج 2ص 110