وتمثل به أبو بكر الصديق رضوان الله عليه حين أتاه كتاب خالد بالفتح في هزيمة الأعاجم:
تمنّانا ليلقانا بقوم ... نخال بياض لأمهم السّرابا
فقد لاقيتنا فلقيت حربا ... عوانا تمنع الشيخ الشّرابا
انظر إلى موضع «الفاء» في قوله: «فقد لاقيتنا فلقيت حربا» ومثل قول العباس بن الأحنف:
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ... ثم القفول فقد جئنا خراسانا
انظر إلى موضع «الفاء» و «ثم» قبلها [159] .
فهذه الأبيات اذن من الأبيات العالية التى إذا أنشدتها وضعت فيها اليد على شىء فقلت هذا، وما كان كذلك فهو شعر الشاعر والكلام الفاخر والنمط الشريف.
ولكن عبد القاهر بعد هذا الكلام العميق في دراسة الشعر وتمييز منازله لم يزد في بيان الصفة التى هى سر الجودة على أن قال: انظر إلى موضع «الفاء» . وقد تكفيه هذه الإشارة لأنه يمثل لما يذكر، ولأنه صاحب حس تكفى معه اللمحة، ولأن المتفهمين للأدب في زمانه قد تلفتهم هذه اللفتة إلى ما في النص من الحسن.
وقد طال أخذى من عبد القاهر لأننى أردت أن أبين في وضوح صنيع الزمخشرى في هذه الجزئيات مقترنا بصنيع الامام عبد القاهر، وقد لاحظنا أنه يبسط في هذه الجزئيات اشارات عبد القاهر ويفسرها ويقربها من الأذواق، ثم يعمقها ويثبتها في الحقل البلاغى حينما يثريها بالتطبيق على نصوص مختلفة.
و «قد» : دالة على التوقع واذا دخلت على المضارع كانت بمعنى «ربما» فوافقتها في الخروج إلى معنى التكثير. يقول في قوله تعالى:
(159) دلائل الاعجاز ص 61، 62.