بيانه أن العرب تأخذ أشياء فرادى معزولا بعضها من بعض، لم يأخذ هذا بحجزة ذاك، فتشبهها بنظائرها، كما فعل امرؤ القيس وجاء في القرآن، وتشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامت، وتلاصقت، حتى عادت شيئا واحدا، بأخرى مثلها كقوله تعالى: { «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ» } [16] الآية، الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة وآياتها الباهرة، بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة، وتساوى الحالتين عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأوقار، لا يشعر من ذلك الا بما يمر بدفيه من الكد والتعب، وكقوله تعالى: { «وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ» } [17] المراد: قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة بقاء الخضر، فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ومصيرة شيئا واحدا «فلا» فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالاتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة، شبهت حيرتهم، وشدة الأمر عليهم بما يكابد من طفئت ناره، بعد ايقادها في ظلمة الليل وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق» [18] .
ذكر الناس أن الزمخشرى لم يفرق بين التشبيه والتمثيل بخلاف عبد القاهر الذى أجهد نفسه في بيان التمثيل وتمييزه من التشبيه الصريح، وتبعه الرازى والسكاكى والخطيب كلهم يفرقون بين التمثيل والتشبيه الصريح وان اختلفوا في التحديد، والزمخشرى وتبعه ابن الأثير لم يفرق بينهما، وللتمثيل مدلولات كثيرة في بلاغة الكشاف وهى أقرب إلى الاستعمال اللغوى فهو يطلقه على التشبيه، وعلى الاستعارة التمثيلية، وعلى الاستعارة في المفرد، وعلى فرض المعانى.
(16) الجمعة: 5
(17) الكهف: 45
(18) الكشاف ج 1ص 80، 81