فهرس الكتاب

الصفحة 478 من 744

واتسموا به من سمة النفاق، والأوجه أن يراد الطبع، لقوله: { «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ» } ، وفى الآية تفسير آخر، وهو أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى، عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذى باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد، والضلالة التى اشتروها وطبع بها على قلوبهم بذهاب الله بنورهم وتركه اياهم في الظلمات» (الكشاف ج 1ص 57) .

ويقول في الصورة الثانية: «فان قلت: قد شبه المنافق في التمثيل الأول بالمستوقد نارا، واظهاره الايمان بالاضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، فلماذا شبه بالتمثيل الثانى بالصيب وبالظلمات وبالرعد والبرق وبالصواعق؟ قلت: لقائل أن يقول: شبه دين الاسلام بالصيب لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات، وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق، وما يصيب الكفار من الافزاع، والبلايا، والفتن، من جهة أهل الاسلام بالصواعق، والمعنى:

أو كمثل ذوى صيب، والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة فلقوا منها ما لقوا. فان قلت: هذا تشبيه أشياء بأشياء فأين ذكر المشبهات؟ وهلا صرح به كما في قوله تعالى: { «وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ» } [13] ، وفى قول امرئ القيس:

كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى

قلت: كما جاء صريحا فقد جاء مطويا ذكره على سنن الاستعارة كقوله تعالى: { «وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ» } [14] ، { «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ» } [15] ، والصحيح الذى عليه علماء البيان لا يتخطونه أن التمثيلين جميعا من جملة التمثيلات المركبة دون المفرقة لا يتكلف الواحد واحد شىء يقدر شبهه به، وهو القول الفحل والمذهب الجزل،

(13) غافر: 58

(14) فاطر: 12

(15) الزمر: 29

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت