{اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ»} [10] : «والمعنى: مثل نفقة هؤلاء في زكاتها عند الله {«كَمَثَلِ جَنَّةٍ» } وهى البستان { «بِرَبْوَةٍ» } بمكان مرتفع، وخصها لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمرا، { «أَصَابَهَا وَابِلٌ» } ، مطر عظيم، { «فَآتَتْ أُكُلَهَا» } ، ثمرتها، { «ضِعْفَيْنِ» } مثلما كانت تثمر بسبب الوابل { «فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ» } فمطر صغير القطر يكفيها لكرم منبتها، أو مثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطل، وكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة بعد أن يطلب بها وجه الله ويبذل فيها الوسع زاكية عند الله زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عنده» [11] .
ويصور القرآن حال المنافقين في صورتين متتاليتين وفى كل صورة منها إذا نظرت اليها متناسقة متكاملة تصوير قوى وواضح لحيرتهم وضلالهم، والزمخشرى يحاول أن يجد شبها بين جزئيات الصورة وأحوال في المشبه ثم يعدل عن هذا إلى المذهب الجزل الذى عليه العلماء لا يتخطونه يقول في قوله تعالى: { «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ. أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ، وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ» } [12] : «فان قلت: فيم شبهت حالهم بحال المستوقد؟ قلت:
فى أنهم غبّ الاضاءة خبطوا في ظلمة، وتورطوا في حيرة، فان قلت:
وأين الاضاءة في حال المنافق؟ وهل هو أبدا الا حائر خابط في ظلماء الكفر؟ قلت: المراد ما استضاءوا به قليلا من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم، ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق التى ترمى بهم إلى ظلمة سخط الله وظلمة العقاب السرمدى، ويجوز أن يشبه بذهاب الله بنور المستوقد اطلاع الله على أسرارهم، وما افتضحوا به بين المؤمنين،
(10) البقرة: 165
(11) الكشاف ج 1ص 57.
(12) البقرة: 1917