فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 744

ملاءمة الكلمة لسياقها من حيث مادتها:

أما دراسته لمادة الكلمة وملاءمتها لسياقها فقد اجتهد الزمخشرى في ربط مدلول الكلمة بسياقها حتى تكون ملائمة له على أحسن وجه من وجوه الملاءمة، يقول في قوله تعالى: { «مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ» } [1] :

«فان قلت: كيف قرن بالخشية اسمه الدال على سعة الرحمة؟ قلت: للثناء البليغ على الخاشى وهو خشيته مع علمه أنه الواسع الرحمة كما أثنى عليه بأنه خاش مع أن المخشى منه غائب ونحوه: {«الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ» } [2] فوصفهم بالوجل مع كثرة الطاعات» [3] .

فكلمة «الرحمن» لا تتلاءم في الظاهر مع الخشية وانما يكون التلاؤم ظاهرا لو قال: من خشى الجبار أو القهار، ولكن الزمخشرى يدرك وراء هذا التباعد الظاهرى تقاربا خفيا ملائما أشد الملاءمة وأحسنها ومثل هذا ما يذكره في قوله تعالى: { «يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ» } [4] يقول: «فان قلت: ما معنى قوله {«مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ» }

وكيف طابق الوصف بالكرم انكار الاغترار به؟ وانما يغتر بالكريم كما يروى عن على رضى الله عنه أنه صاح بغلام له كرات فلم يلبه، فنظر فاذا هو بالباب فقال له: مالك لم تجبنى؟ فقال: لثقتى بحلمك، وأمنى من عقوبتك، فاستحسن جوابه وأعتقه، وقالوا: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه؟ قلت: معناه: أن حق الانسان ألا يغتر بتكرم الله عليه حيث خلقه حيا لينفعه ويتفضل عليه بذلك حتى يطمع بعد ما مكنه وكلفه فعصى وكفر النعمة المتفضل بها أن يتفضل عليه بالثواب، وطرح العقاب اغترارا بالتفضل الأول فانه منكر خارج عن حد الحكمة، ولهذا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لما تلاها: «غره جهله» [5] .

وقد يعمد القرآن إلى اثبات المعنى بنفى ضده، ويقف الزمخشرى عند هذا اللون ليكشف أن للفظ اشاراته الخفية التى هى جزء من المعنى

(1) سورة ق: 33

(2) المؤمنون: 60

(3) الكشاف ج 4ص 310309

(4) الانفطار: 6

(5) الكشاف ج 4ص 517

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت