فهرس الكتاب

الصفحة 600 من 744

ثم يقول السكاكى بعد ذكر كلام الرازى في الدلالة: واذا عرفت أن ايراد المعنى الواحد على صور مختلفة لا يتأتى الا في الدلالات العقلية وهى الانتقال من معنى إلى معنى بسبب علاقة بينهما كلزوم أحدهما الآخر بوجه من الوجوه، ظهر لك أن علم البيان مرجعه اعتبار الملازمات بين المعانى، ثم إذا عرفت أن اللزوم إذا تصور بين الشيئين فاما أن

يكون من الجانبين كالذى بين الأمام والخلف بحكم العقل أو بين طول القامة وطول النجاد، بحكم الاعتقاد، ظهر لك أن مرجع علم البيان اعتبار هاتين الجهتين: جهة الانتقال من ملزوم إلى لازم، وجهة الانتقال من لازم إلى ملزوم واذا ظهر لك أن مرجع علم البيان هاتان الجهتان علمت أن انصباب علم البيان إلى التعرض للمجاز والكناية، فان المجاز ينتقل فيه من ملزوم إلى لازم وان الكناية ينتقل فيها من اللازم إلى الملزوم.

وقد شعر السكاكى بما في هذه الطريقة التى حدد بها أبواب علم البيان من التكلف والتجشم فقال وكأنه يعتذر: «والمطلوب بهذا التكلف هو الضبط» .

في تقسيم البلاغة:

ومن الواضح أن دراسة أهل خوارزم للبلاغة العربية دراسة ذات خصائص متشابهة، وأن تقسيم البلاغة إلى علمى المعانى والبيان لم يظهر ولم يتم الا في هذه البيئة.

وبحث المفتاح وان كان امتدادا لهذا الاتجاه فقد أخذ طابعا واضحا ميزه عن البحوث الأخرى التى نهض بها رجال هذه البيئة. فاذا كانوا جميعا يعنون ببحث الجملة وصياغتها كما يعنون بدراسة صور البيان، فان السكاكى قد شغل بهذا، الا أن دراسته كانت علمية ومحددة وجافة أو هى استنتاجات عقلية وتقنين منطقى لما استطاع ادراكه من كلام أئمة ثلاثة عرفتهم بيئته، وهم: عبد القاهر الجرجانى، ومحمود بن عمر الزمخشرى، وابن الخطيب الرازى، ولعل هؤلاء هم الأصحاب الذين يذكرهم كثيرا في كتابه.

وقد سارت الدراسة البلاغية في هذه البيئة في مراحل ثلاث كما أتصور:

المرحلة الأولى: كانت جهودا نظرية مرتبطة ارتباطا كاملا بالنص الأدبى وذلك واضح في كتابى عبد القاهر الجرجانى

والمرحلة الثانية: كانت جهودا تحليلية تطبيقية تنفذ من خلال النص إلى مس القواعد والأصول أو تحديدها وذلك واضح في دراسة الزمخشرى في الكشاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت