وقد نظر السكاكى فوجد التعرض لخواص التراكيب موقوفا على
التعرض للتراكيب. ثم ان التعرض لتراكيب الكلام وهى منتشرة أمر يصعب، فوجب المصير إلى ايرادها تحت الضبط. ولهذا صنف كلام العرب في قسمين كبيرين: الخبر والانشاء، ثم رأى أن الخبر يرجع إلى الحكم بمفهوم لمفهوم وهو الذى نسميه الاسناد الخبرى، فتحصل له أربعة أبواب:
1 -الانشاء.
2 -أحوال المفهوم المحكوم به (المسند) .
3 -أحوال المفهوم المحكوم عليه (المسند اليه) .
4 -أحوال الاسناد
وهكذا ظلت تتولد أبواب المعانى وتتفرع.
وكان هذا هو الحال في علم البيان الذى حده بقوله: أما علم البيان فهو معرفة ايراد المعنى الواحد في طرق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة عليه. وبالنقصان، ليحترز بالوقوف على ذلك عن الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد منه، ثم مهد له بقاعدة بيّن فيها مسائل هذا العلم، وكان يلهمه في هذا حديث عن الدلالة سبقه اليه العلامة ابن الخطيب الرازى في كتابه نهاية الايجاز، فقد تكلم في كتابه هذا عن الدلالة الوضعية والدلالة العقلية. ومن العقلية دلالة اللفظ على جزء داخل في مفهومه، كدلالة لفظ البيت على السقف، ودلالة اللفظ على خارج عنه لازم له كدلالة السقف على الحائط. ولم يذكر السكاكى شيئا زائدا على ما ذكره الرازى في موضوع الدلالة يمكن أن يعتد به.
ثم يقول السكاكى بعد ذكر كلام الرازى في الدلالة: واذا عرفت أن ايراد المعنى الواحد على صور مختلفة لا يتأتى الا في الدلالات العقلية وهى الانتقال من معنى إلى معنى بسبب علاقة بينهما كلزوم أحدهما الآخر بوجه من الوجوه، ظهر لك أن علم البيان مرجعه اعتبار الملازمات بين المعانى، ثم إذا عرفت أن اللزوم إذا تصور بين الشيئين فاما أن
يكون من الجانبين كالذى بين الأمام والخلف بحكم العقل أو بين طول القامة وطول النجاد، بحكم الاعتقاد، ظهر لك أن مرجع علم البيان اعتبار هاتين الجهتين: جهة الانتقال من ملزوم إلى لازم، وجهة الانتقال من لازم إلى ملزوم واذا ظهر لك أن مرجع علم البيان هاتان الجهتان علمت أن انصباب علم البيان إلى التعرض للمجاز والكناية، فان المجاز ينتقل فيه من ملزوم إلى لازم وان الكناية ينتقل فيها من اللازم إلى الملزوم.