ويرى الزمخشرى أن حرف العطف يستلزم أن يكون بين الجملتين قدر من الاتفاق يصحح الربط بينهما، ولكنه لا يكون اتفاقا قويا حتى يصل إلى اتحاد الجملتين في المعنى أو نشوء احداهما عن الأخرى، ولذلك وقع الفصل بين قصة الذين كفروا والحديث عن الكتاب الذى لا ريب فيه.
يقول في قوله تعالى: { «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ» } [26] : «فان قلت: لم قطعت قصة الكفار عن قصة المؤمنين ولم تعطف كنحو قوله: {«إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ» } [27] وغيره من الآى الكثيرة؟ قلت: ليس وزان هاتين وزان ما ذكرت. لأن الأولى فيما نحن فيه مسوقة لذكر الكتاب. وأنه { «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» } . وسيقت الثانية لأن الكفار من صفتهم كيت وكيت.
فبين الجملتين تباين في الغرض والأسلوب. وهما على حد لا مجال فيه للعاطف. فان قلت: هذا إذا زعمت أن { «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ» } جار على { «الْمُتَّقِينَ» } فأما إذا ابتدأته وبنيت الكلام لصفة المؤمنين ثم عقبته بكلام آخر في صفة أضدادهم كان مثل ذلك آلاء المتلوة؟ قلت: قد مر لى أن الكلام المبتدأ عقيب { «الْمُتَّقِينَ» } سبيله سبيل الاستئناف، وأنه مبنى على تقدير سؤال، فذلك ادراج له في حكم المتقين. وتابع له في المعنى.
وان كان مبتد في اللفظ فهو في الحقيقة كالجارى عليه» [28] .
ويؤكد ضرورة الجامع أو التناسب بين الجملتين وأنه ليس هناك عاطف بين الجمل المتصلة غاية الاتصال. وليس هناك عطف كذلك بين الجمل المنفصلة غاية الانفصال، وانما هو في الجمل التى تتوسط بين الغايتين كما قال المتأخرون، وهذه الفكرة هى التى دار حولها درس الفصل والوصل عند المتأخرين.
(26) البقرة: 6
(27) الانفطار: 13، 14
(28) الكشاف ج 1ص 36