اتسعت نظرة الزمخشرى في دراسة التقديم فخرجت عن دائرة الجملة وشملت تقديم جملة على جملة وترتيب الجمل، ولكننى رأيت أن أضم هذه النظرة المتسعة في دراسة هذا اللون إلى أخواتها من نظراته الأخرى التى جعلت لها فصلا خاصا بالبحث في الجمل، لذلك سأتناول في بحث التقديم هنا ما يتعلق بالجملة، وليس همى في هذه الدراسة أن أستخلص القواعد والأحكام فان هذا افساد لهذا البحث وقتل لروحه، وانما همى أن أعرض روح البحث البلاغى، أعنى روحه الأدبية التى تعنى بالتعليق على كل صورة وتحليل كل مثال في ضوء سياقه تحليلا لا يغنى عنه غيره، ولا يختصر في قاعدة، لذلك سوف أذكر كثيرا من النصوص والشواهد حتى أستطيع أن أضع الأعين على بلاغته.
وبحث التقديم يشمله لونان:
1 -التقديم بين جزئى الجملة.
2 -التقديم في المتعلقات.
والتقديم بين جزئى الجملة يشمل تقديم الخبر على المبتدأ سواء أكان مفردا أو جارا ومجرورا أو ظرفا، كما يشمل تقديم المبتدأ على الخبر سواء أكان هذا الخبر فعلا أو اسما.
وقد يبدو اطلاق التقديم على هذا النوع غريبا لأن المبتدأ حينما يتقدم على خبره يكون قد وافق الأصل، وما جاء على الأصل لا يسأل عن علته، والزمخشرى نفسه صاحب تلك العبارة المشهورة التى تقرر أنه «انما يقال مقدم ومؤخر للمزال لا للقار» وكأنه بها يخالف عبد القاهر مخالفة صريحة لأن عبد القاهر قسم التقديم إلى قسمين:
يكون فيه المقدم باقيا على حكمه قبل التقديم كقولك: زيدا ضربت، وقسم يزول حكمه ويصير له حكم آخر كأن تعمد إلى هذا المثال فترفع «زيدا» على الابتداء وتعمل الفعل في ضميره وتقول: زيد ضربته، الا أن الزمخشرى
أطلق التقديم على القار كما أطلقه على المزال. وقد أحسن حينما خالف هذا التحديد الضيق لمفهوم التقديم والذى يجعله خاصا بالمزال لا بالقار فقد رجع بهذه المخالفة إلى طريقة عبد القاهر لأن البلاغة تبحث أسرار وقوع الكلمات في مواقعها ما جاء منها على الأصل وما جاء على خلافه، لأنها يمكن أن تقول: لم جاء هذا الأسلوب على الأصل، وكان يمكن فيه المخالفة؟ فالسكوت عن السؤال عن علة ما جاء على الأصل أمر لا يطمئن اليه الدارس المتشوق إلى معرفة أسرار اللغة. ولعل الزمخشرى حين قال عبارته السابقة التى خالف مفهومها في تفسيره كان متأثرا بالفكرة النحوية أكثر مما هو متأثر بالروح البلاغية.